انخرطَت القدسُ، تدريجيًّا، في لعبتَين خَطِرتَين؛ الأولى سياسية تقضي بمقاومة الآشوريين (بدفعٍ من المصريين)، والثانية تِجارية تقضي بجعل القدس بؤرةً مهمةً في التجارة الدولية.
كانتِ السنواتُ الأخيرةُ لحاكم القدس «حزقيا» قاسية؛ فقد عمَد الآشوريونَ لتحطيم المراكزِ التِّجاريةِ المغذيةِ لها وأسواقها، وإلى تدميرٍ واسع النطاق للريفِ المحيطِ بها والحقولِ الزراعيةِ التابعةِ لها، ثم الحصارِ الطويلِ الذي اضطر «حزقيا» للاستسلام ودفعِ جزيةٍ ضخمةٍ من الذهب والفضة.
قاد الملكُ الآشوريُّ «سنحاريب» (705–681ق.م.) حصارَ القدس؛ فقد تقدَّم إلى مجموعة من المدن الشامية المتمرِّدة التي حرَّضَها الفرعون المصري «شبتكو».
وذهب أولًا لغزو المدن الساحلية، ثم اتجه إلى القدس التي كان يحكمها «حزقيا»، وكانت مدنٌ أخرى مثل «صور» و«عسقلون» قد مضت في عصيانها وتحدِّي الجيوشِ الآشورية.
وفيما يلي ترجمةٌ لحوليات «سنحاريب» التي تشير إلى حربه مع المدن المتمرِّدة وحصاره لأورشليم:
«في حملتي الثالثة انطلقتُ ضد حاتي … أما بالنسبة لحزقيا من يهوذا … فحاصرتُ مدنه القوية وكذا القلاع والقرى الصغيرة … وفتحتُها بواسطة منحدراتٍ ترابيةٍ وكباش، وذلك بالإضافة إلى هجمة المشاة الذين استخدموا المقاليعَ والمِدَكَّاتِ … أما هو فقد جعلتُه سجينًا في أورشليم مقرِّ مُلكِه كطيرٍ في قفص، وحاصرتُه بأكوامٍ من التراب … وأمَّا مدنُه التي نهبتُها فقد نزعتُها من بلاده وأعطيتُها ﻟ «متنتي» ملك أشدود وﻟ «بادي» ملك عقرون وﻟ «سليبيل» ملك غزَّة. أما حزقيا نفسه فأرسلَ إليَّ فيما بعدُ إلى نينَوى، مدينتي الملكية، 30 وزنة من الذهب، 800 وزنة من الفضة وأحجارًا كريمة (1).»
ولم يتعظ «منسي» ملك يهوذا (687–642ق.م.) فأقفلَ أبوابَ أورشليمَ بوجه «أسرحدون» (680–669ق.م.) فما كان من هذا الملكِ الآشوريِّ القويِّ إلا مهاجمةُ أورشليم. وأخِذ «منسي بن حزقيا» أسيرًا إلى بابل، وقضى بعض الوقت هناك، ثم أطلقَ الآشوريونَ سراحَه، فعاد إلى القدس وأدركَ أسرحدون أن مصر وملكَها «طهارقة» كان وراء عصيانِ القدسِ وغيرِها مثل صيدا التي دمرها، فما كان منه إلا التوجُّه إلى مصر وملاقاةُ جيشِ «طهارقة» شرقَ الدلتا، فانهزم الجيشُ الآشوري، لكن أسرحدون لم ينكفئْ فقاد جيشَه بعد خمس سنوات، واستطاع هزيمةَ جيشِ طهارقة فيها. وهرب طهارقة جريحًا إلى جنوب مصر، ومنها إلى «كوش» في بلاد السودان الحالية، ثم قام «طهارقة» باسترداد منف، وهزم الحاميةَ الآشوريةَ فيها فدفع ذلك أسرحدون إلى إرسال حملةٍ تأديبيةٍ سار على رأسها لإخضاع مصر ثانية، لكنَّه أُصيبَ بمرضٍ مفاجئٍ اضطرَّهُ إلى العودة لآشورَ حيث مات فيها.
وحين صَعِد آشور بانيبال (668–626ق.م.) إلى عرش الإمبراطوريةِ الآشورية، أعادَ فتحَ مصر كلِّها بعد أن هزمَ جيوشَ «طهارقة» في شرق الدلتا، ولم تنفَع كلُّ محاولاتِ تحريرِها أثناءَ حكمِ آشور بانيبال.
هذه الأمور جعلَت حُكامَ القدس من «منسي» وحتى «يوشيا» يدركون أن الخضوع لآشورَ هو أفضلُ الحلول لها، وبذلك تبدَّدَت آمالُهم في الاستقلال والتوسُّع. ولم تكُن القدسُ، آنذاك، إلا دولةً صغيرةً هامشيةً في الأحداث الكُبرى للشرق الأدنى القديم، ومن الخطأ تصوُّرُ حجمِها أكبرَ من ذلك، خصوصًا أن حُكامَها جلبوا لها المآسيَ بتقلباتِهم السياسية وولاءاتِهم المزدوجة لقوَّتَي آشورَ ومصر.
ولا بد لنا من التنويه بما عُرِفَ في زمن الآشوريينَ من «سياسة التهجير» التي كانت تقوم بها الدولةُ الآشوريةُ في أرجاء إمبراطوريتها؛ فقد كانت تقوم بعمليات نقلٍ واسعة لسكان المدن الثائرة والخارجة عن إرادتها، فتقومُ بنقل سكانِ السامرة مثلًا إلى مكانٍ آخر، وتأتي بسكان مدينةٍ ثائرةٍ أخرى إلى مدينة السامرةَ لكي تسلُبَ من الناس هويتهم، وتجعلَهم أسرى البحث عن مأوًى ومأكلٍ وحياةٍ آمنة أكثرَ من بحثهم عن استقلالٍ سياسي.
وكانت سياسة التهجير هذه تُسهِمُ في تغييرٍ إثنيٍّ واضحٍ للمدن المُهَجَّرة، وإذا كانت السامرةُ أو أورشليمُ قد بدأَتا ببلورة شبهِ إثنيةٍ خلال القرنَين الثامن والسابع قبل الميلاد، فإنهما فقدَتا هذا التبلورَ الإثنيَّ خلال القرنَين السابع والسادس قبل الميلاد على التوالي. عندما مارس الآشوريونَ سياسةَ التهجيرِ نحو السامرة ومارس البابليونَ سياسةَ التهجيرِ نحو أورشليم.
ولم تكُن سياسةُ التهجيرِ آشوريةَ الأصل، بل ظهرَتْ منذ بداياتِ الألفِ الثاني قبل الميلاد، وكانت إجراءً شائعًا في حروب الشرق الأدنى القديم بين مصر وبابلَ والعالَمِ الحيثِي، ثم استمرَّت مع الفرس بعد انهيار آشور وبابل.
كما أنها لم تكُن موجهةً نحو السامرة وأورشليم فقط، بل كانت تشمل كلَّ أنحاءِ الإمبراطورية؛ «فقد وصلت إلى كلِّ أرجاءِ الشرقِ الأدنى القديمِ من عيلام والخليج إلى جبال طوروس والساحل الفينيقي، وجنوبًا حتى مصر. حتى ولو قصرَ تصوُّرُنا على النصوص التي وُجِدَت — كما فعل أوديد في دراسته — لتَوفَّرَت لدينا معرفةٌ واضحةٌ عن 150 حالةِ نقلِ سكانٍ في الحقبة الآشورية الجديدة Neo-Assyrian فقط. النصوصُ التوراتيةُ تذكُر 36 حالةَ تهجير. وبالإضافة لتلك الحالات المعروفة في الحقبةِ الآشورية، وعددُها 157 حالة، يشير معظمُها إلى تهجيرٍ من منطقةٍ بكاملها كالنصوص التي تشير إلى أمورو ويهوذا (2).»
إن تأكيدَنا على سياسة التهجيرِ الآشورية، ثم الكلدانية قد طالت التركيبَ شِبهَ الإثنيِّ الجديدَ للسامرَّة وأورشليم (إسرائيل ويهوذا)، وكان هذا التغييرُ الإثنيُّ عاملًا في غاية الأهمية للوقوف بوجه الآراءِ التوراتيةِ التي تستمرُّ في نسج أسطورتها العِرقِيةِ والدينيةِ بطريقةٍ متطرفةٍ ومُبالَغٍ فيها للدرجة التي تضعُها خارجَ التاريخِ وخارجَ المنطقِ والعقل.
ولنتخيَّل كيف تمَّ اقتلاعُ أهلِ السامرة واستبدالُهم بقبائلَ عربيةٍ واقتلاعُ أهلِ أورشليمَ واستبدالُهم بالأدوميين من أعدائهم، بل وقبلَ سبي بابلَ لأورشليمَ ما فعله الملكُ الآشوريُّ سنحاريب عندما أخضع حزقيا وقام بتهجيرِ سكانِ 46 مدينةً وقريةً حول أورشليم، وقد بلغ عددُهم 200150 وتقسيمِ أراضي يهوذا على ملوك أشدودَ وعقرونَ وغزةَ التابعين لآشورَ لمساعدتهم في صراعهم ضد القدس (3).
.....................................................
1- عبد الحليم، المرجع السابق، ص224.
2- طومسون، المرجع السابق، ص234.
3- طومسون، المرجع السابق، ص234.