استمرَّت القدسُ في نموها المُطَّرِد وطموحِها التِّجاري باتجاه جنوبِ يهوذا، ولم يأخذ توسُّعُ النفوذِ هذا طابعًا سياسيًّا أو عسكريًّا، بل كان تِجاريًّا إقليميًّا. كذلك فقد توسَّعَت أراضيها الزراعيةُ في وادي عليون وشمالِ القدسِ، وتزايدَ إنتاجُ الزيتِ والمواشي حتى تحوَّلَت القدسُ إلى بؤرةٍ زراعيةٍ تِجارية لمنطقة يهوذا «ولم تأخُذ القدسُ ببعض مظاهرِ الدولةِ الإقليميةِ المسيطرةِ إلا في الربع الأخيرِ من القرنِ الثامن، وخاصَّةً في النصفِ الثاني من القرنِ السابع. أخذ حجمُ مدينةِ القدسِ في خلال العقودِ الأخيرة من القرنِ الثامن عندما بدأَت السيطرةُ الآشورية إلى الشمال، وباشرَت القدسُ دورًا ثانويًّا على حافة العالمِ الآشوري.
ولم تأخُذ القدسُ طابعَ العاصمةِ الإقليمية وحجمَها إلا بعد تحرُّكِ آشورَ ضدَّ الجنوبِ في نهاية القرنِ الثامن، وتدميرِ لخيش، وتنظيمِ الآشوريينَ للتجارةِ الساحلية حولَ مركزِ إنتاجِ الزيت في عقرون (1).»
كانت مدينةُ القدسِ تضمُّ خليطًا من المتمدِّنينَ من أصحابِ الثقافاتِ والمشاربِ المختلفةِ والمتعددة، وكان فيها الهيكلُ السياسيُّ الأكبرُ لإدارةِ إقليمِ يهوذا، وقد تزايد عددُ سكانِها بعد سقوطِ السامرة شمالًا على يد سرجون الثاني ولخيش على يد سنحاريب (انظر الشكل 67).

شكل 59: حصار لخيش من قِبَل جيش سنحاريب. http://www.bible-history.com/sketches/assyria/siege-lachish-sketch.html
تخطيطٌ عن نحتٍ آشوريٍّ بارزٍ محفوظ في المتحف البريطاني. لاحظ السلالم المبنية بمواجهة أسوار المدينة والمشاعل التي يرميها المدافعونَ باتجاه مكائنِ الحصار حيث يحاول المهاجمونَ إطفاءَها بالمياه.
وهكذا استقبلَت القدسُ صفوةَ الناسِ الهاربينَ من المدينتَين (السامرة ولخيش) إليها. أمَّا أصقاعُ يهوذا الأخرى فكان أغلبُهم من الفلاحينَ والمزارعينَ الهامشيينَ والرعاة، وهم الأقلُّ ثقافةً وتمدُّنًا من النخبة الحاكمةِ في القدس، كذلك فإن تجانُسًا طبقيًّا كان يحوطُهم بسبب طبيعةِ أعمالِهم الزراعيةِ من جهة، وبسبب بُعدِهم عن مراكز الغزواتِ الآشورية.
دخلَت إلى القدس عباداتٌ جديدة بسبب التأثيرِ الآشوريِّ لعل أهمَّها عبادةُ الكواكب (الشمس، القمر، الكواكب، النجوم)، وكانت متفشيةً عند الطبقة المتنفِّذة في القدس.
وبسقوط إسرائيلَ ودمشقَ (عدُوَّتا يهوذا) شعرَت القدسُ أن بإمكانها أَداءَ الدورِ الإقليميِّ الذي كانت تؤديه «إسرائيل»، وهنا نهض الدورُ السياسي (بعد التِّجاري) الجديد للقدس، والذي نظَّم له بشكلٍ جيدٍ حاكمُ القدس حزقيا (715–687ق.م.) وفي سياق الإعدادِ للثورةِ الجديدةِ أمر حزقيا بحفر القناةِ الشهيرةِ التي حوَّلَت مياه «عين جيحون» إلى «بِركة سلوان» التي كانت، حينئذٍ، داخلَ سورِ المدينة. وهكذا دخلَت القدسُ في مقاومة الحصارِ الآشوري، وكان ذلك بدايةَ عهدٍ جديدٍ ستحصُد القدسُ نتائجَه، بعد قرنٍ، على يد البابليينَ بعد أن كان أعداؤها قد أعطَوها مبررًا كافيًا لدرسٍ واضحٍ يكمُن في إيقاف الاكتساحِ الآشوريِّ عن طريق تملُّقِهم وإفراغِ شحنتِهم المزحومةِ بالاحتلالِ والحصارِ والجزية.
وهكذا استمرَّت القدسُ، في النصفِ الأولِ من القرن الثامنِ قبل الميلاد، بتوطيد مركزِها الإقليمي. لكنَّها برزَت قويةً كدولةٍ مدنيةٍ إقليمية، تِجاريًّا وسياسيًّا، في نهاية القرنِ الثامنِ قبل الميلاد، وهو ما دفع الملكَ الآشوريَّ شلمنصر الخامسَ لمحاصرتِها ثلاثَ سنوات، لكنه انشغلَ عنها بعد ذلك باضطراباتٍ حصلَت في بلاده حتى مات، كان ذلك في حدود (725ق.م.). واستمَرَّ خلَفه سرجون الثاني بحصارها، واستطاعَ الجيشُ الآشوريُّ أن يهزمَ جيشَ الملكِ المصريِّ «طهارقة» الذي أرسِلَ لمساعدة القدسِ لفكِّ الحصارِ عنها. وكانت هذه الحادثةُ مدعاةً للتفكير الجَدِّيِ عند الآشوريينَ بغزو مصر؛ لأنهم كانوا يرَونها مُحرِّضًا لمدن الشامِ ضدَّ مصالحِهم؛ ولذلك تقدَّم الجيشُ الآشوريُّ إلى اتجاه مدينة رفح خلفَ الجيشِ المصريِّ المهزوم، واتجه نحو الدلتا حيث توقَّفَ هناك، بعد أن صمدَ المصريونَ بوجهه، وأجبروه على التراجع.
هكذا بَدَت لنا القدسُ في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد «دولةً عازلةً بين القوتَين الإمبرياليتَين الرئيسيتَين؛ مصر إلى الجنوب وآشور إلى الشمال. هذه التغيُّراتُ والتبدُّلُ الجذريُّ في الخريطةِ السياسيةِ في فلسطين جلب بالنسبة للنخبة في القدس، في الأقل، نموًّا ملحوظًا في الثروة والهيبة، مما شكَّل عنصرًا في الدورِ العنيفِ أحيانًا والمحفوفِ بالمخاطرِ دائمًا، والذي أدَّتْه القدسُ في القرن التالي (2).»
.............................................
1- طومسون، المرجع السابق، ص229.
2- نفسه