لقد توقّف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تلك الليلة في ذي الحليفة لأجل أسماء.[1] وتحرّك في صباحها ومعه المسلمون. وما أروعه من منظر! جميع المسلمين يحيطون بنبيّهم العظيم من كلّ جهة مغتسلين محرمين، وهم ما بين فارس وراجل، تراهم على امتداد البصر في تلك البيداء الشاسعة، ويصل نداء التلبية إلى الأسماع من كلّ جهة. والقلوب تعرج هائمة والهة عشقاً لجذبات ذلك الاسم الإلهيّ الأعظم. وها هو رسول الله يبعث الحياة في امّته وينفخ فيها الروح بجذبة إلهيّة مغناطيسيّة، وقد عبّأ تلك الجموع وهم حفاة مكشوفي الرأس في ذلك الوادي الفسيح، ودفعها لتذوب في حبّ محبوبها الأزليّ وبارئها السرمديّ، والكلّ يردّد بخشوع: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْك! لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك.
يقول أبو الفرج بن الجوزيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه [عليهما السلام] قال: قلت لجَابِرِ بنِ عَبدِاللهِ الأنْصَارِيّ: أخبرني عن حجّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكث تسع سنين لم يحجّ، ثمّ اذِّنَ في السنة العاشرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حاجّ. فقدم المدينة بشر كثيرون، وكلّ يريد أن يأتمّ برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويعمل مثل عمله.
يقول جابر: فخرجنا معه حتّى أتينا ذا الحُلَيْفَة، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المسجد، ثمّ ركب القصواء. حتّى استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه، بين راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك.
فأهلّ بالتوحيد «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْك لَا شَرِيكَ لَك».[2]
ونجد ذلك الرجل العظيم الحاكم على القلوب، والمسيطر على الأفئدة والمهيمن على الأرواح قد جمع تلك الكتل البشريّة حوله كالفراش المبثوث، وجعلها تحترق كالشمع هائمة في عشق الجمال الأزلي، وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم على ناقة قصواء ليس عليها إلّا رحل رثّ بالٍ ومعه قطيفة قد بليت أليافها لقدمها، ولا أدري هل تساوي أربعة دراهم أو لا؟ ونقل ابن كثير الدمشقيّ، عن الحافظ أبي بكر البزّار بسنده عن أنس قال: إنَّ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ حَجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ وتَحْتَهُ قَطيفَةٌ، وقَالَ: "حِجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا ولَا سُمْعَةُ".[3]
وذكر الحافظ أبو يعَلى الموصليّ، في مسنده من وجه آخر عن أنس [بن مالك] قال: حَجَّ رَسُولُ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ على رَحْلٍ رَثٍّ وقَطِيفَةٍ تُسَاوي- أو لَا تُسَاوِي- أرْبعة دَرَاهِمَ، فَقَالَ: «اللهُمَّ حِجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا».[4]
وينبغي أن يعلم أنّ رسول الله الذي يحجّ على رحل رثّ وقطيفة لا قيمة لها يسوق معه مائة من الإبل للهَدي في سبيل الله وإطعام المساكين والمعوزين، وينحرها كلّها، ويقسّمها على الفقراء والمحتاجين؛ ويأمر أمير المؤمنين أن لا يهب جلودها وجلالها القصّاب! وأن ينفقها جميعها في سبيل الله! فهو قدوتنا واسوتنا.
{لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ والْيَوْمَ الْآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}.
وأمّا أهل الثراء الذين يحجّون منّا فإنّهم لا ينحرون أكثر من شاة واحدة في مِنى؛ ولا أتذكّر أنّ أحداً منّا قد نحر بعيراً هناك، ولم أسمع بذلك؛ مع أنّ مصاريف الذهاب والإياب باهظة، والثروة طائلة أيضاً.
[1] «إعلام الوري» طبعة مطبعة الحيدري- طهران. ص 137.
[2] «الوفاء بأحوال المصطفي» طبعة مطبعة الكيلانيّ، مصر، ج 2، ص 209؛ و«الطبقات» لابن سعد، طبعة دار صادر، بيروت، ج 2، ص 177؛ و«الكافي» الفروع، مطبعة الحيدري، طهران. ج 4، ص 250.
[3] 1 و2- «البداية والنهاية» طبعة مصر، مطبعة السعادة، سنة 1351 هـ، ص 112 و113 وذكرهما عليّ بن برهان الدين الحلبيّ؛ الشافعيّ في «السيرة الحلبيّة» طبعة محمّد على صبيح بمصر، سنة 1353 هـ، ج 3، ص 290؛ وكذلك ذكرهما ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ج 2، ص 177.
[4] الآية 21، من السورة 33: الأحزاب