عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما، قال: دخلنا مكّة عند ارتفاع الشمس، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم باب المسجد، فأناخ راحلته، ثمّ دخل المسجد، فبدأ بالحَجَر الأسْوَد، فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء ... فلمّا فرغ صلّى الله عليه وآله وسلّم قبّل الحَجَرَ، ووضع يديه عليه، ومسح بهما وجهه.[1] وعن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سجد على الحجر.[2]
وروى الشافعيّ، قال: استقبلَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحجر فاستلمه، ثمّ وضع شفتيه عليه طويلًا. وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا استلمَ الحجر، قال: بِسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ ... وقالَ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ لعمر: "إنَّكَ رَجُلٌ قَوِيّ لَا تُزَاحِمْ على الْحَجَرِ (أي الأسْوَدَ) تُؤذِي الضَّعِيفَ، إن وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وإلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وهَلِّلْ وكَبِّرْ"[3]
ثمّ بعد الطواف صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ركعتين عند مقام سيّدنا إبراهيم عليه الصّلاة والسلام ... قرأ فيهما مع امّ القرآن: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. ودخل صلّى الله عليه وآله وسلّم زمزم، فنزع له دلو، فشرب منه، ثمّ مجّ فيه، ثمّ أفرغها في زمزم، ثمّ قال: لو لا أنّ الناس يتّخذونه نسكاً لنزعتُ... ثمّ رجع صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلى الْحَجَرِ الأسْوَد فاستلمه، ثمّ خرج إلى الصَّفَا، وقرأ: {إِنَّ الصَّفا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ}.[4]
ثمّ قال: أبْدَا بِمَا بَدَأ اللهُ.[5]
ورقى الصفا حتّى بانت الكعبة، واستقبل الكعبة وقال ثلاثاً: "اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ"، ثمّ هلّل، ثمّ قال: "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ ولَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهُوَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ". ثمّ دعا، وأعاد ما قاله من التكبير والتهليل والدعاء حتّى بلغ ثلاثاً.
ثمّ نزل من الصفا، وسار نحو الْمَرْوَة إلى أن استقرّ به المقام في بطن (مَسيل)[6] فبدأ يسير رَملًا[7] إلى أن رقى من بطن «مسيل»، فسار ماشياً حتّى بلغ الْمَرْوَة.
رقى رسول الله من المروة حتّى بانت الكعبة فاستقبلها وفعل هناك كما فعل على الصفا من التكبير والتهليل والدعاء؛ ثمّ سار نحو الصفا، فلمّا بلغ مكانه الأوّل- بطن مسيل- هرول حتّى خرج من المسيل ورقى الصفا، وبعد استقبال بيت الله والتكبير والتهليل والدعاء كما في المرّة الاولى، نزل من الصفا، ثمّ رقى المروة على الكيفيّة التي كانت في المرّة الاولى من الهَرْوَلة والمشي في المواضع الخاصّة، واستقبل ودعا وكبّر. واستمرّ هذا السعى فبلغ سبعاً، وانتهى في الشوط السابع على جبل المروة.[8]
[1] «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 74؛ و«السيرة الحلبية» ج 3، ص 294؛ و«الكافي» الفروع، طبعة الحيدري، طهران، ج 4: ص 250.
[2] «المصدر السابق»، ص 75؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 155.
[3] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 294؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 159 واللفظ للأوّل وجاء في «البداية»: وإلَّا فَكَبِّرْ وامْضِ.
[4] الآية 158، من السورة 2: البقرة.
[5] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 295؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 160؛ و«الكافي» طبعة الحيدري، طهران، الفروع، ج 4، ص 249؛ واللفظ للأوّل.
[6] موضع بين الصفا والمروة ويعرف بالمَسْعَي. وكان وادياً أيّام النبيّ، وقسم منه مسيل وسطحه أعمق من المواضع الاخري بين الصفا والمروة. وكانت هرولة رسول الله ورَمَله في بطن هذا المسيل.
[7] هرولة.
[8] «سنن البيهقيّ» طبعة حيدرآباد الدكن، سنة 1352 هـ، الطبعة الاولي، ج 5، ص 93 و94؛ و«السيرة الحلبية» ج 3، ص 295؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 160؛ و«روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، ج 2 ضمن ذكر حجّة الوداع؛ و«الوفاء بأحوال المصطفي» مطبعة الكيلانيّ بالقاهرة، ج 1، ص 209 و210.