اغتسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومشّط شعره، وادّهن ولبس إزاره وردائه. وتحرّك بعد صلاة الظهر نحو (ذي الحُلَيفة) على بعد فرسخ واحد عن المدينة، وصلّى العصر هناك قصراً، واستخلف على المدينة أبَا دُجَانة سِماك بن خَرَشَة الساعِدِيّ أو سِبَاع بن عُرفُطَة الغِفَارِيّ.[1]
وأحرمت فاطمة الزهراء عليها السلام مع نساء النبيّ في ذي الحُلَيفة؛ ولبّين من هناك؛ ولمّا كان هذا الحجّ حجّ إفراد، ولم يجلبن معهنّ الهَدْي (بعيراً، أو بقرة أو شاة) لذلك كان عقد إحرامهن بالتلبية، ثمّ جلسن في الهوادج، وعز من على الرحيل. وكانت نساء النبيّ التسع كلهنّ حاضرات في ذلك السفر.
غير أنّ رسول الله جلب معه الهَدْي وهو عبارة عن مائة من الإبل، أو ستّ وستّين، أو أربع وستّين، أو ثلاث وستّين. فيكون المجموع مائة مع الهدي الذي جلبه أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن، ومقداره ثلاثون ونيف.
وقد أشعر رسول الله إحدى هذه الإبل التي جلبها معه وقلّدها بيده الكريمة في ذي الحُلَيفة.[2] وتولّى إشعار بقيّة الهدي وتقليده غيره. وصار عقد حجّه، وهو حجّ القران، بالإشعار والتقليد. ثمّ ركب راحلته «القصواء» وانطلق فلمّا استوت على البيداء، أهلّ:[3] "لَبَّيْكَ! اللهُمَّ لَبَّيْك! لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك! إنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْك! لَا شَرِيكَ لَكَ!"[4]
وفي ذي الحُلَيْفة ولدت أسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْس محمّداً من زوجها أبي بكر.[5] وأرسلت إلى رسول الله تطلب منه أن يخبرها ما ذا تفعل. فأمر رسول الله أن تحرم وتلبّى! بعد ما تحشو بنحو قطن وتربط طرفى تلك الخرقة بشىء تشدّه في وسطها، وتحرم.[6]
قال الإمام الصادق عليه السلام: وكان في ولادتها البركة للنساء لمن ولدت منهنّ أو طمثت ...، يعملن بما أمر به رسول الله ويحرمن من غير قدح في حجّهن.[7]
دخلت أسماء مكّة على تلك الحالة. ولمّا انقضى نفاسها والدم لم ينقطع بعد، ... «فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن تطوف بالبيت وتصلّى ولم ينقطع عنها الدَّم، ففعلت ذلك».[8]
[1] «سيرة ابن هشام» طبعة مصر، 1383 هـ، ج 4، ص 1020؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 110؛ و«سيرة زيني دحلان» طبعة مصر، محمّد على صبيح، سنة 1353 هـ، ج 3، ص 3.
[2] الإشعار هو عبارة عن طعن البدنة في سنامها الأيمن ويلطّخونها بالدم بحيث يجري الدم على جانب السنام ليعرف أنها هدي مسوق إلي مكّة. والتقليد هو أن يجعل في عنق البدنة أو البقرة أو الشاة خَلق نعل صلّى بها الإنسان فيُعلَم أنها هدي.
[3] «البداية والنهاية» ج 5، ص 117 إلى 120.
[4] «فروع الكافي» طبعة الحيدري- طهران، ج 4، ص 250؛ و«السيرة الحلبيّة» طبعة مصر، 1353 هـ، ج 3، ص 292؛ و«روضة الصفا» الطبعة الحجريّة في ضمن بيان حجّة الوداع، ج 2.
[5] أسماء بِنتُ عُمَيْس الخثعَميّة من النساء العظيمات والمكرّمات في الإسلام. وهي اخت ميمونة زوج النبيّ. تزوّجها جعفر بن أبي طالب عليه السلام في السنة الثانية للهجرة. وفي هجرتها معه إلى الحبشة ولدت له عبد الله، وعَوْناً، ومُحَمّداً. وفي السنة السابعة رجعت معه إلى المدينة. استشهد جعفر في موقعة مؤتة سنة 8 هـ فتزوّجها أبو بكر وولدت له محمّداً. ثمّ مات عنها، فتزوّجها أمير المؤمنين عليه السلام فولدت له يحيى.(ابن عَبْد البرّ في «الاستيعاب» طبعة مكتبة النهضة- مصر، ج 4 ص 1785). وفي ج 4 ص 1897 منه يقول ضمن ترجمة فاطمة بنت رسول الله عليهما السلام: أوصت فاطمة عليها السلام أسماء قائلة: إذا أنا متُّ فاغسليني أنتِ وعَلِيّ! ولا تُدخلي عَلِيّ أحداً. فلمّا توفّيت، جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، فقالت: إنّ هذه الخثعميّة تحول بيننا وبين بنت رسول الله. فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبيّ أن يدخلن على بنت رسول الله؟! فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد. فقال أبو بكر: اصنعي ما أمرتك. ثمّ انصرف. فغسّلها عليّ عليه السلام وأسماء.
[6] ينقل في «بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 6، ص 662. روايتين في هذا الموضوع عن «الكافي». وفي ص 665 من «إعلام الورى» أيضاً.
[7] «فروع الكافي» طبعة مطبعة الحيدري- طهران، ج 4، ص 444 عن الصادق عليه السلام.
[8] .«المصدر السابق»، ص 449، عن الباقر عليه السلام.