في السنة العاشرة للهجرة، توجّه النبيّ العظيم إلى حجّ بيت الله الحرام بعد أن جرى الإعلان عن ذلك في المدينة قبل مدّة من سفره. ولم تكن تلك السفرة عاديّة؛ لأنّ رسول الله أعدّ عدّته وتجهّز بصورة تامّة لأداء مناسك الحجّ مصطحباً معه جميع زوجاته، وكانت كلّ واحدة منهنّ في هودجها، وتحرّكن معه محرمات من ذي الْحُلَيْفَة (مسجد الشجرة) باتّجاه مكّة. وكان معه في تلك الرحلة أصحابه وأقاربه جميعاً. وتحرّك معه ما لا يحصى من المسلمين؛ رجالًا ونساءً وشيوخاً وشبّاناً، وأغنياء وفقراءً، ومقتدرين وعاجزين، أحرموا كلّهم قاصدين مكّة. وجاء في الروايات وكتب السير والتأريخ أنّ عددهم كان مائة ألف، وذكر الكثيرون أنّ عددهم كان مائة وأربعة وعشرين ألفاً. وخلاصة القول إنّ كلّ واحد منهم قد تحرّك مع رسول الله على النحو الذي كان متيسّراً له، وانضمّ إلى موكب النبوّة باتّجاه مكّة. وقد رافق رسول الله في هذا السفر أهل المدينة كلّهم ما عدا المرضي والشيوخ العاجزين الذين ليست لهم قدرة على الحركة. فما أعظمها وأروعها من سفرة! علماً أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يحجّ بعد هجرته إلى المدينة إلّا مرّة واحدة فقط. وهي الحجّة التي كانت في السنة العاشرة من الهجرة.
واعتمر ثلاث مرّات أيضاً:
الاولى: عمرة الحُدَيبيّة حيث أحرم رسول الله وأصحابه قاصدين مكّة إلّا أنّ كفّار مكّة حالوا دون ذلك ومنعوهم من دخول مكّة، فأمر فأحلّوا من إحرامهم. وعقد معاهدة مع كفّار قريش اشترطَ فيها أن يعود المسلمون إلى مكّة للعمرة في السنة القادمة.
الثانية: عمرة القضاء في السنة التي تلت عمرة الحديبيّة إذ أحرم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع أصحابه إحرام العمرة، فدخل مكّة المكرّمة وأدّى مناسك العمرة.
الثالثة: العمرة التي كانت بعد غزوة حُنَيْن عند ما قسّم رسول الله الغنائم على المسلمين، وقفل راجعاً من طريق الطائف، فدخل مكّة، وأحرم من الجِعْرَانَة[1] وأدّى مناسك العمرة.
ولا اختلاف بين الشيعة والسنّة في هذه العمرات الثلاث؛ إلّا أنّ كتب التأريخ السنيّة تذكر عمرة اخرى لرسول الله. وهي العمرة التي أدّاها مع حجّه في السنة العاشرة من الهجرة. فكان حجّه متزامناً مع عمرته؛ وبهذا تصبح عمراته أربعاً بعد الهجرة.[2]
غير أنّ أكثر الأخبار الشيعيّة تردّ ذلك وتثبت- وفقاً لمصادر أهل السنّة أنفسهم- أنّ رسول الله أدّى مناسك الحجّ فقط في حجّة الوداع، ولم يعتمر معها.[3]
قيل: كانت العمرات الثلاث كلّها في شهر ذي القعدة الحرام.[4]
ولكن هل حجّ رسول الله قبل الهجرة؟ أو قبل النبوّة؟ إذ كان الحجّ من شرائع إبراهيم عليه السلام. وكان المشركون في الجزيرة العربيّة يؤدّون مناسك الحجّ قبل الإسلام عملًا بسنّة خليل الرحمن عليه السلام مع تشويه وتحريف لتلك المناسك. وعلى أيّ حال، فإنّ حجّ رسول الله محلّ خلاف. يقول ابن كثير: كان رسول الله يحجّ قبل النبوّة وبعدها، وقبل الهجرة.[5]
ويقول ابن سعد: لم يحجّ رسول الله غيرها [حجّة الإسلام في السنة العاشرة للهجرة] منذ تُنُبّئ إلى أن توفّاه الله. وكان ابن عبّاس يكره أن يقال: حِجَّة الوَدَاع، ويقول: حِجَّة الإسلام.[6]
ويقول ابن برهان الحلبيّ الشافعيّ ما ملخّصه: لم يحجّ رسول الله غير حجّة الوداع منذ أن هاجر إلى المدينة. وأمّا قبل الهجرة، فقد حجّ ثلاث مرّات. وقيل: مرّتين. وهما اللتان بايع فيهما الأنصار عند العَقَبة. وفي كلام ابن الأثير كان يحجّ كلّ سنة قبل أن يهاجر. وفي كلام ابن الجوزيّ حجّ قبل النبوّة وبعدها حججاً لا يعلم عددها إلّا الله.[7]
ويقول ابن شهرآشوب: [قال] البخاريّ: حجّ النبيّ عليه السلام قبل النبوّة، وبعدها لا نعرف عددها، ولم يحجّ بعد الهجرة إلّا حجّة الوداع. وعن جابر الأنصاري أنه حجّ ثلاث حجج: حجّتين قبل الهجرة. وحجّة الوداع.
العلاء بن رزين، وعمرو بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حجّ رسول الله عشرين حجّة.
الطبريّ عن ابن عبّاس: اعتمر النبيّ عليه السلام أربع عمر: الحُدَيبيّة والقضاء، والجِعْرانة، والتي مع حجّته.
معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السلام: اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثلاث عمر متفرّقات. ثمّ ذكر الحُدَيبيّة، والقَضَاء، والجِعْرَانَة. وأقَام بالمدينة عشر سنين، ثمّ حجّ حجّة الوداع، ونصب عليّاً إماماً يوم غدير خمّ.[8] ونقل الكلينيّ في «الكافي» بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لم يحجّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد قدومه المدينة إلّا واحدة، وقد حجّ بمكّة مع قومه حجّات.[9]
وفي «الكافي» أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام قال: حجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عشرين حجّة.[10]
[1] الجِعْرَانَة والجِعِرَّانَة بكسر الجيم وسكون العين، أو بكسر العين وفتح الراء المشدّدة. كلاهما صحيح.
[2] «البداية والنهاية» الطبعة الاولى بمصر سنة 1351 هـ، ج 5، ص 109 و114؛ و«المناقب» لابن شهرآشوب عن الطبريّ عن ابن عبّاس، الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 121.
[3] روى في «الكافي» بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم ثلاث عمر مفترقات: عمرة في ذي القعدة، أهَلَّ من عَسْفان وهي عمرة الحُدَيْبيّة، وعمرة أهَلَّ من الجُحفة وهي عمرة القضاء، وعمرة أهَلَّ من الجِعرانَة بعد ما رجع من الطائف من غزوة حنين".(الكافي، طبعة الآخوندي، الجزء الرابع من الفروع ص 251). وأمّا الرواية المنقولة في «بحار الأنوار» طبع الكمباني، ج 6، ص 666 عن «الخصال» للصدوق، أو «الأمالي» للطوسيّ، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم اعتمر أربع عمر، عمرة الحديبيّة وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من الجِعْرانة والرابعة مع حجّته؛ فهي غير موثوقة.
[4] «البداية والنهاية» الطبعة الاولى بمصر، ج 5 ص 109، عن البخاريّ، ومسلم وأحمد.
[5] «البداية والنهاية» ج 5، ص 109.
[6] «الطبقات الكبرى» ج 2، ص 173. طبعة دار بيروت، سنة 1405.
[7] «السيرة الحلبيّة» طبعة مصر، سنة 1353 هـ، ج 3، ص 289.
[8] «المناقب» لابن شهرآشوب الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 121.
[9] «فروع الكافي» طبعة مطبعة الحيدريّ، ج 4، ص 244. و«الوفاء بأحوال المصطفي» طبعة مصر، مطبعة الكيلانيّ، ج 2، ص 209.
[10] «المصدر السابق»، ص 245.