يقول المقريزيّ: أصبح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم الأحد بـ (يَلَمْلَمْ)،[1] ثمّ راح فتعشّى بـ (شَرَف السَّيَالةَ)، وصلّى هناك المغرب والعشاء. ثمّ صلّى الصبح بـ (عِرْقَ الظبْيَة)، ثمّ نزل (الرَّوْحَاء)، ثمّ سار من (الرَّوْحاء) فصلّى العصر بـ (الْمُنْصَرَف). وصلّى المغرب والعشاء بـ (المُتَعَشَّى)، وتعشّى به. وصلّى الصبح بـ (الأثَايَة)، وأصبح يوم الثلاثاء بـ (العَرْج)، واحتجم بـ (لحي جمل) «و هو عقبة الجُحْفَة»، ونزل (السُّقيَا) يوم الأربعاء. وأصبح بـ (الأبْوَاء)، وصلّى هناك، ثمّ راح من (الأبواء) ونزل يوم الجمعة (الْجُحْفَة)، ومنها إلى قُدَيْد وسبت فيه، وكان يوم الأحد بـ (عُسْفَان). ثمّ سار فلمّا كان بـ (الغَمِيمِ)، اعترض المشاة فصفّوا صفوفاً، فشكوا إليه المشي، فقال: استعينوا بالنَّسَلان (مشي سريع دون العدو) ففعلوا، فوجدوا لذلك راحة. وكان يوم الأثنين بـ (مَرّ الظَّهْران)، فلم يبرح حتّى أمسى وغربت له الشمس بـ (سَرِف). فلم يصلّ المغرب حتّى دخل مكّة، ولمّا انتهى إلى الثَّنِيَّتَيْن، بات بينهما فدخل مكّة نهار الثلاثاء.[2]
وجاء في «الطبقات» لابن سعد أيضاً: وكان يوم الاثنين بمَرّ الظَّهْران فغربت له الشمس بسِرف، ثمّ أصبح فاغتسل، ودخل مكّة نهاراً.[3] ونحن نعلم طبعاً أنه لمّا كان يوم الخميس هو الأوّل من ذي الحجّة، فإنّ دخوله مكّة سيكون يوم الثلاثاء السادس من ذي الحجّة.
فلمّا كان [رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم] بِسَرِف [على بعد ستّة أميال عن مكّة] أمر الناس أن يحلّوا بعمرة [أن يحوّلوا نيّتهم عن الحجّ إلى العمرة] ويلبّوا بنيّة العمرة؛ ويعتمروا إذا دخلوا مكّة إلّا من ساق الهدي [أضحية، سواء كانت من الإبل أو من البقر أو من الضأن، فإنّهم يظلّون على نيّة الحجّ، ليوصلوا هَدْيهم إلى محلّه بمِنى. وينحرونه هناك]، وكان رسول الله صلّى الله عليه [و آله وسلّم] قد ساق الهدي وناس معه.[4]
وعملًا بأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد استبدلت فاطمة الزهراء عليها السلام والمؤمنات، وأزواج النبيّ التسع نيّة حجّ الإفراد بالعمرة، ولبّين جميعهنّ بهذه النيّة؛ ولبّت عائشة أيضاً بقصد العمرة، وحاضت في سَرِف؛ ومن المعلوم أنّ الحائض لا تستطيع أن تدخل المسجد الحرام، وتطوف، وتصلّى، بينما تستلزم العمرة طوافاً وصلاة ودخولًا في المسجد.
تقول عائشة: دخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة ... لعلّك نفستِ؟! أي حضت، قلتُ: نعم! والله لوددتُ أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر! قال: لا تقولنّ ذلك! فهذا شىء كتبه الله على بنات آدم ... إنّما أنتِ امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب الله عليهنّ! أهلّي بالحجّ! وفي رواية ارفضي عمرتك! أي لا تشرعي في شىء من أعمالها وأحرمي بالحجّ فإنّك تقضين كلّ ما يقضي الحاجّ، أي تفعلين كلّ ما يفعل الحاجّ وأنت حائض إلّا أنك لا تطوفين بالبيت.[5]
تقول عائشة: ففعلت ذلك؛ أي أدخلتُ الحجّ على العمرة ووقفتُ المواقف ودخلت مكّة، لكنّي لم أدخل المسجد الحرام.
فوقفتْ بعرفة وهي حائض، حتّى إذا طَهُرَتْ، وذلك يوم النحر، وقيل: عشيّة عرفة، طافت بالبيت وبالصفا والمروة؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد حللتِ من حجّكِ[6] وعمرتك جميعاً.
هذا هو الحجّ الذي أدّته عائشة؛ حجّ إفراد ليس معه عمرة؛ بَيدَ أنّ الزهراء عليها السلام وأزواج النبيّ الاخريات، والمؤمنات اعتمرن عمرة مفردة فور دخولهنّ مكّة؛ ثمّ حللن من الإحرام، إلى يوم الثامن من ذي الحجّة، وهو يوم التَّرْوية، حيث أحرمن للحجّ من مكّة، ولبّين بنيّة حجّ الإفراد وجئن إلى عرفات؛ وأدّين مناسك الحجّ في المشعر ومنى، وطفن وسعين وصلّين في مكّة، وأتممن حجّهن، ثمّ حللن؛ ولذلك فقد أدّين في سفرهنّ هذا عمرة كاملة وحجّاً كاملًا يقال له: حجّ التمتّع.
وأتمّ رسول الله أيّام الحجّ، وعاد إلى مكّة بعد أيّام التشريق.
ولمّا نزل صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمُحَصَّب صلّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة، ثمّ إنّ عائشة قالت له: يا رسول الله؛ أرجعُ بحجّة ليس معها عمرة؟! فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: اخرج باختك من الحرم، ثمّ افرغا من طوافكما حتّى تأتياني هاهنا بالمُحصّب! قالت: فقضى الله العمرة. وفي لفظ: فاعتمرنا من التنعيم[7] مكان عمرتي التي فاتتني، وفرغنا من طوافها في جوف الليل. فأتيناه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمحصّب.[8]
فقال: فرغتما من طوافكما؟! قلنا: نعم![9] ثمّ نزل بذي طوى فبات بها تلك الليلة وصلّى بها الصبح أيّ بعد أن اغتسل بها، ثمّ سار صلّى الله عليه وآله وسلّم [يوم الثلاثاء] ونزل بالمسلمين ظاهر مكّة. ودخل مكّة نهاراً، أي وقت الضُحى من الثَّنِيَّة العُلْيَا التي هي ثنيّة كَدَاء (بفتح الكاف والمدّ) قال أبو عبيدة: لا ينصرف وهي التي ينزل منه إلى المَعَلاة مقبرة مكّة، وهي التي يقال لها الآن: الحُجون التي دخل منها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم فتح مكّة كما تقدّم.
[1] يَلَمْلَمْ خطأ والصحيح يَلْيَل، وذلك كما قال صاحب «معجم البلدان» يَلَمْلَمْ موضع على ليلتين من مكّة، وهو ميقات أهل اليمن، ويَلْيَل اسم قرية قرب وادي الصفراء من أعمال المدينة. شَرَفُ السيَّالَة بين مَلَلْ والرَوْحَاء. وعِرْقُ الظُّبَية موضع بين مكّة والمدينة. ومُنْصَرَف موضع بين مكّة وبَدْر بينهما أربعة برد. وأثاية موضع في طريق الْجُحْفَةَ بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً؛ والعَرْج عقبة بين مكّة والمدينة على جادّة الحاجّ، تذكر مع السُّقْيا. والْجُحْفَة قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكّة على أربع مراحل ... وبينها وبين المدينة ستّ مراحل؛ وبينها وبين غدير خمّ ميلان. والسُقيا قرية من أعمال فُرْع بينهما وبين الجُحْفَة تسَعة عشر ميلًا. والأبْوَاء قرية من أعمال ألْفُرع من المدينة بينها وبين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. وقُدَيْد اسم موضع قرب مكّة. والعسْفَانْ على مرحلتين من مكّة على طريق المدينة والجُحفة على ثلاث مراحل. والغَمِيْمِ وكُراعُ الغُمَيم موضع بين مكّة والمدينة يقع بين رابِغ. والجُحفة؛ والظَّهران واد قرب مكّة وعنده قرية يقال لها: مَرّ، تضاف إلي هذا الوادي فيقال: مَرُّ الظَّهْرَان؛ وسَرِفْ موضع على ستّة أميال من مكّة.(«معجم البلدان» حسب الترتيب الهجائيّ). والمُتَعَشَّي ليس موضعاً كما يبدو، بل هو اسم مكان من الفعل تَعَشَّي، أي: المكان الذي يؤكل فيه العشاء.
[2] «الغدير» الطبعة الثانية، دار الكتب الإسلاميّة، سنة 1372 هـ، ج 1، ص 9 و10 عن امتاع المقريزيّ، ص 513 إلي 517.
[3] «الطبقات» لابن سعد، ج 2، ص 173؛ و«سيرة ابن هشام» طبعة مصر، سنة 1383 هـ، ج 4، ص 1020.
[4] «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، ج 2، ص 302؛ و«سيرة ابن هشام»، ج 4، ص 1020. واللفظ للأوّل.
[5] «سيرة ابن هشام» طبعة مصر، محمّد على صبيح، ج 4، ص 1020؛ و«البداية والنهاية» طبعة مصر سنة 1351 هـ، الطبعة الاولى، ج 5، ص 164؛ و«السيرة الحلبيّة» طبعة مصر، محمّد على صبيح، سنة 1353 هـ، واللفظ للأخير.
[6] نفس المصدر السابق
[7] المُحَصَّب موضع فيما بين مكّة ومني، وهو إلي مني أقرب. وهو بطحاء مكّة، وهو خيف بني كنانة. وحدّه من الحَجون ذاهباً إلي مني.(«معجم البلدان»، باب الميم والحاء وما يليهما).
[8] التنعيم موضع بمكّة في الحلّ. وهو بين مكّة وسرِف على فرسخين من مكّة.(«معجم البلدان» باب التاء والنون وما يليهما).
[9] جاء في «كامل التواريخ» ج 5، ص 164: أعمرها تطييباً لقلبها كما جاء مصرّحاً به في الحديث.