جاء في «السيرة الحلبيّة» عن بعضهم أنّ في هذه الحجّة كان جمل عائشة رضي الله عنها سريع المشي مع خفّة حمل عائشة. وكان جمل صفيّة [إحدى زوجات النبيّ] بطيء المشي مع ثقل حملها، فصار يتأخّر الركب بسبب ذلك.
فأمر صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجعل حمل صفيّة على جمل عائشة، وأن يجعل حمل عائشة على جمل صفيّة. فجاء صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة رضي الله عنها يستعطف خاطرها، فقال لها: يَا امَّ عَبْدِ اللهِ! حملك خفيف وجملك سريع المشي، وحمل صفيّة ثقيل وجملها بطيء فأبطأ ذلك بالركب، فنقلنا حملك على جملها وحملها على جملك ليسير الركب! فقالت له: إنّك تزعم أنك رسول الله؟! فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: أفي شكّ أني رسول الله أنتِ يَا امَّ عَبْدِ اللهِ؟! قالت: فما لك لا تعدل؟! قالت: فكان عند أبي «أبي بكر» حدّة، فلطمني على وجهي، فلامه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم! فقال: أما سمعت ما قالت؟! فقال: دَعْهَا فَإنَّ المَرْأةَ الغَيْرَاءَ لَا تَعْرِف أعْلَى الوَادِي مِنْ أسْفَلِهِ.[1]
وعن أحمد بن حنبل بإسناده أنّ أسْمَاء بِنْتِ إبي بَكْرِ قالت: خرجنا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حجّاجاً حتّى أدركنا بالعرج، نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة[2] رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة: فقال أبو بكر: بعير واحد تضلّه؟ فطفق يضربه ورسول الله صلّى عليه وآله وسلّم يبتسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع!».[3]
فلمّا بلغ بعض الصحابة أنّ زاملة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ضلّت، جاء بحيْس [طعام يعدّونه من الدقيق والدهن والتمر] ووضعه بين يديه صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لأبي بكر وهو يغتاظ على الغلام: هوّن عليك يا أبا بكر! فإنّ الأمر ليس لك ولا إلينا. وقد كان الغلام حريصاً على أن لا يضلّ بعيره، وهذا غذاء طيّب قد جاء الله به وهو خلف عمّا كان معه.
فأكل صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبو بكر ومن كان يأكل معهما حتّى شبعوا. فأقبل صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطِّل وكان على ساقة القوم والبعير معه وعليه الزاملة، حتّى أناخه على باب منزله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأبي بكر: أنظر هل تفقد شيئاً من متاعك؟ فقال: ما فقدتُ شيئاً إلّا قعْباً كنّا نشرب فيه! فقال الغلام: هذا القعْبُ معي.
ولمّا بلغ سعد بن عُبادة وابنه قيس أنّ زاملته صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ضلّت، جاءا بزاملة وقالا؛ أي كلّ واحد منهما: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بلغنا أنّ زاملتك ضلّت الغداة، وهذه زاملة مكانها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قد جاء الله بزاملتنا، فارجعا بزاملتكما بارك الله لكما.[4]
[1] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 293.
[2] الدّابة من الإبل يحمل عليها (المنجد).
[3] «البداية والنهاية» ج 5، ص 113.
[4] «السيرة الحلبيّة» طبعة محمّد على صبيح بمصر، سنة 1353 هـ، ج 3، ص 293.