في بلادٍ اعتادت أن تُدار أزماتها بالصراخ وأن تُحل خلافاتها بالبارود برز صوت مختلف صوت لا يعلو لكنه يصل , صوت لا يفرض نفسه بالقوة بل يفرض حضوره بالحكمة , هكذا كانت المرجعية الدينية العليا في العراق : واقفة على تخوم العاصفة تمسك بخيط الوطن حين كاد ينقطع وتعيد وصل ما تهرأ من معنى الدولة والإنسان .
لم تدخل يوماً مزاد السياسة ولم تُساوم على المبادئ ولم تبحث عن سلطة ومع ذلك كانت الأكثر تأثيراً في لحظات الانكسار الكبرى .
العراق ، منذ أكثر من عقدين يعيش اختباراً قاسياً لقدرته على البقاء سقوط الدولة انفجار الهويات الفرعية تمدد الفساد وتحول السياسة إلى ساحة لتصفية الحسابات وسط هذا المشهد المرتبك بدا المجتمع كمن يسير بلا خارطة فيما النخب تتنازع الغنائم والناس تبحث عن أبسط أشكال الطمأنينة .
في هذا الفراغ الأخلاقي والمؤسسي لم تتقدم المرجعية بوصفها بديلاً عن الدولة بل بوصفها ضميراً لها كانت تذكر الجميع بأن الوطن ليس مشروعاً مؤقتاً وأن الدم العراقي ليس مادة تفاوض وأن السلطة حين تنفصل عن الناس تتحول إلى عبء عليهم .
حكمة المرجعية ليست موقفاً عابراً بل منهج متكامل هي وعي عميق بطبيعة المجتمع العراقي بتعدديته وهشاشته في آن واحد وهي إدراك دقيق لموازين القوى داخلياً وخارجياً دون الوقوع في فخ الارتهان أو المجاملة.
لهذا اختارت دائماً أن تكون فوق الاصطفافات محافظة على مسافة واحدة من الجميع فلا تمنح صكوك البراءة لأحد ولا تتورط في لعبة المحا صصات استقلالها كان مصدر قوتها وابتعادها عن السلطة كان سرّ مصداقيتها.
وحين اجتاح الإرهاب مدن العراق ووقف البلد على شفا الانهيار الكامل جاءت فتوى الدفاع الكفائي بوصفها لحظة فاصلة في التاريخ المعاصر لم تكن دعوة إلى الانتقام ولا تحريضاً على الكراهية بل استجابة وجودية لحماية الأرض والعرض والمقدسات.
كانت فتوى أخلاقية قبل أن تكون تعبئة شعبية قيّدت السلاح بالقانون وربطت القتال بالقيم وأكدت أن حماية المدنيين والممتلكات واجب لا يقل عن مواجهة العدو ومن رحم تلك اللحظة وُلدت ملحمة وطنية أعادت للعراقيين ثقتهم بأنفسهم ورسّخت فكرة أن الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية لا امتياز لفئة دون أخرى.
لكن المرجعية لم تسمح أن تتحول هذه التعبئة إلى ثقافة دائمة للعنف سرعان ما أعادت التأكيد على أن السلاح يجب أن يعود إلى الدولة وأن البطولة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء المعركة: في الإعمار في بناء المؤسسات وفي ترميم ما تهدّم في النفوس قبل الجدران.
فبرّ الأمان الذي تريده المرجعية للعراق لا يختزل في استقرار أمني مؤقت بل هو مشروع شامل لبناء دولة عادلة ومجتمع متماسك.
بر أمان يبدأ من مدرسة جيدة لا من نقطة تفتيش ومن قضاء مستقل لا من مزاج سياسي ومن مسؤول يشعر بثقل الأمانة لا من مسؤول يتعامل مع المنصب كغنيمة.
هو أمان اقتصادي يوفر فرص العمل للشباب وأمان اجتماعي يحمي التنوع ويمنع الانقسام وأمان أخلاقي يعيد الاعتبار للنزاهة واحترام المال العام.
وفي كل مفصل تاريخي كانت المرجعية تنحاز للإنسان دعمت مطالب المتظاهرين السلميين ورفضت قمعهم طالبت بالإصلاح الحقيقي لا الترقيع المؤقت شددت على محاسبة الفاسدين مهما طال الزمن.
لم تعد الجماهير تثق بالخطابات السياسية لكنها ما زالت تصغي حين تتكلم المرجعية لأنها ترى فيها آخر مساحة للصدق في مشهد مزدحم بالمصالح.
ما يميز المرجعية أنها لا تمارس الوصاية على المجتمع بل تراهن على وعيه لا تفرض الحلول بل تفتح الأبواب ولا تُعطي تعليمات جاهزة بل تضع المبادئ وتترك للناس مسؤولية الاختيار.
هي سلطة بلا أجهزة وقوة بلا سلاح ونفوذ بلا امتيازات سلطة تستمد حضورها من ثقة الناس لا من هيبة الدولة ومن تاريخ طويل من الوقوف إلى جانب المظلوم لا من تحالفات عابرة.
في زمن تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات تبقى المرجعية نموذجاً نادراً لقيادة أخلاقية تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تضع يدها على جرح الوطن.
أما العراق فما يزال في منتصف الطريق لكن الخريطة واضحة: دولة قانون مجتمع متصالح مع ذاته وشباب يجدون مستقبلهم في وطنهم لا خارجه ذلك هو بر الأمان الذي تريده المرجعية وذلك هو الرهان الكبير: أن يتحول الألم إلى وعي والتجربة القاسية إلى فرصة لبناء عراق يليق بتاريخه وتضحيات أبنائه.







محمد عبد السلام
منذ 54 دقيقة
بين الجامعة والوسط الأدبي
الكلمة الطيبة
العمامة والشعر
EN