جاء في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ مكارم الشيرازي عن سورة الانسان: هذه السورة رغم قصرها، فانَّ لها محتويات عميقة ومتنوعة وجامعة، ويمكن بنظرة واحدة تقسيمها إلى خمسة أقسام: القسم الأوّل: يتحدث عن إيجاد الإنسان وخلقه من نطفة أمشاج او مختلطة، وكذلك عن هدايته وحرية إرادته. القسم الثّاني: يدور الحديث فيه عن جزاء الأبرار والصالحين، وسبب النزول الخاص بأهل البيت عليهم السلام. القسم الثّالث: تكرار الحديث عن دلائل استحقاق الصالحين لذلك الثواب في عبارات قصيرة ومؤثرة. القسم الرّابع: يشير إلى أهمية القرآن وسبيل إجراء أحكامه ومنهج تربية النفس الشاق. القسم الخامس: جاء الحديث فيه عن حاكمية المشيئة الإلهية مع حاكمية الإنسان. ولهذه السورة أسماء عديدة، أشهرها إلانسان والدهر وهل أتى وهذه الكلمات وردت في أوائل السورة، وإن كانت الرّوايات الواردة في فضيلتها والتي سوف يأتي ذكرها، قد ذكرت اسم هل أتى لهذه السورة.
قال الله سبحانه وتعالى "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـفِرِينَ سَلَـسِلاَ وَأَغْلَـلاً وَسَعِيراً (4)" (الانسان 1-4) هل تأتي للاستفهام بمعنى أليس. قال الامام الباقر عليه السلام (كان الإنسان مذكوراً في علم الله ولم يكن مذكوراً في عالم الخلق) وهو تفسير لقوله تعالى "لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً" (الانسان 1). والانسان ورد فيه تفاسير مختلفة منها النبي آدم عليه السلام في الاية الاولى"هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ" (الانسان 1) وفي الاية الثانية اولاده"إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج" (الانسان 2). وفي تفاسير اخرى ان المقصود بالانسان العلماء غير المذكورين قبل شهرتهم وقد ذكروا بعد شهرتهم. امشاج جمع مشج على وزن نسج، او جمع مشيج على وزن مريض بمعنى مختلط كما ورد في روايات اهل البيت عليهم السلام، وهذا ما اثبته العلم الحديث حول علم الجينات. وهنالك تفسير عن الامشاج هو تطور النطفة في جنين الام. نبتليه يعني تحمل المسؤولية والاختبار بعد التكليف والمعرفة للوصول الى الهداية، وذلك باستخدام الجوارح كالعين"نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً" (الانسان 2) وهو المعنى الاصح من تفاسير اخرى تقول نبتليه اي التحولات في النطفة في جنين الام. وقسم العلماء الهداية الى هداية تكوينية وفطرية وتشريعية. وفي الاية المباركة "إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ" (الانسان 3) فان عدد من المفسرين يشيرون الى الهداية التشريعية. وفي تفسير"اِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" (الانسان 3) اي إمّا يكون شاكراً وإمّا يكون كفوراً.
قال الله عز وجل "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً" (الانسان 2) عن النطفة جاء في موقع دار السيدة رقية للقرآن الكريم: عالم الجنين الصاخب: من الواضح أنَّ نطفة الإنسان مركّبة من ماء الرجل والمرأة، ويسمى الأوّل الحيمن والثّاني البويضة فالأصل وجود النطفة ثمّ تركيبها، وبعد ذلك تتمّ المراحل المختلفة للجنين، وهذا هو من العجائب العظيمة لعالم الخلق، وتطورعلم الأجنَّة قد كشف الكثير من أسراره وإن كانت هناك أسرار كثيرة لم يتمّ كشفها لحدّ الآن، ونذكر هنا قسماً من العجائب والتي تعدّ زاوية صغيرة من عالم الجنين: 1 ـ الحيمن وهو ما يخرج مع ماء الرجل، وهو كائن حي متحرك صغير لا يرى بالعين المجرّدة، وله رأس وعنق وذنب متحرك، وممّا يثير العجب أنّ الرجل في كلّ إنزال يضم ماؤهُ من الحيامن المليونين إلى 500 مليون حيمن، وهو ما يعادل نفوس عدّة دول، ولكن لا يدخل من هذا العدد الهائل إلى البيضة إلاّ واحد أو عدّة حيامن لإخصاب البيضة، وسبب وجود هذا العدد من الحيامن يكمن في الخسائر التي تلحق بها في طريقها إلى البيضة وتلقيحها، ولو لم يتوفر مثل هذا العدد لكان أمر الحمل صعباً. 2 ـ إنّ حجم الرحم قبل الحمل يكون بحجم الجوزة الواحدة، وعند انعقاد النطفة ونمو الجنين يتسع الرحم بشكل ملحوظ ليشغل مكاناً واسعاً، والعجب أنّ جدار الرحم يكون مطاطياً إلى حد يكون قادراً على استيعاب حجم الطفل وحركاته. 3 ـ إنَّ الدم لا يجري في الرحم بواسطة العروق والشرايين، بل يجري بين عضلات الرحم بصورة ميزاب، لأنَّ الرحم في اتساع مستمر فإذا ما وجد العِرقْ فإنّه لن يتحمل السحب والتمدد الكبير. 4 ـ يعتقد بعض العلماء أنّ لبيوض المرأة شحنة موجبة، وإنَّ للحيمن شحنة سالبة، ولذا يجذب أحدهما الآخر، ولكن عند تخصيب الحيمن للبيضة فإنَّ شحنة النطفة المتشكلة تكون سالبة. وتطرد بذلك بقية الحيامن الموجودة، وقال آخرون: عندما يدخل الحيمن في البيضة تترشح مادة كيميائية خاصّة لتطرد بقية الحيامن. 5 ـ إنّ الجنين يسبح في كيس كبير فيه ماء غليظ يدعى بـ آمني بوس له خاصية مقاومة ما يقع على بطن المرأة من الضربات، وتحمل ما يقع من حركات الأم الشديدة، بالإضافة إلى ذلك فإنّه يحفظ الجنين بمعدل حراري ثابت، ولا تؤثر فيه تغيرات الحرارة الخارجية بسرعة، والجدير بالذكر أنّ الكيس يجعل الجنين عديم الوزن، ويمنع من حدوث الضغط على أعضاء الجنين بعضها على بعض ممّا يسبب ذلك ضرراً على الجنين. 6 ـ تتمّ تغذية الجنين عن طريق المشيمة وحبل السرّة، أي أنّ دم الأُم والمواد الغذائية والأوكسجين يدخل إلى المشيمة ثمّ يبدأ حبل السرّة بتصفية هذه المواد لتدخل إلى قلب الجنين وتتوزع منه إلى بقية أعضاء البدن، والطريف أنّ البطين الأيسر والأيمن لقلب الجنين مترابطان مع بعضهما الآخر، لأنّ التصفية هنا لا تتمّ إلاَّ عن طريق الرئة، وذلك لأنّ الجنين لا يتنفّس ولكنّه عند تولده تنفصل الأوعية بعضها عن البعض الآخر، ويبدأ جهاز التنفس عندئذ بالعمل.
عن الثروة البشرية قال الله تعالى "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نّطْفَة " (النحل 4)، و"إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" (الانسان 2)، و"يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" (الحجرات 13)، و"ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مّآءٍ مّهِينٍ" (السجدة 8). فالعاملين في المصانع هم من الثروة البشرية التي بدونها لا تتحرك عجلة الصناعة. وخلق الله تعالى الطبيعة قال عز من قائل"خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ ِ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (النحل 3) فمن الطبيعة تستخرج المواد الخام للصناعة. وخلق الله تعالى الانعام لتكون مصدر للثروة الحيوانية من لحوم والبان وانسجة وملابس واثاث وتشكل مواد خام لصناعات مختلفة منها الغذائية والنسيج قال الله جلت قدرته"وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ" (النحل 5).
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً" (الانسان 2) إِنَّا (إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :. خَلَقْنَا فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :. الْإِنْسَانَ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. مِنْ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. نُطْفَةٍ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. أَمْشَاجٍ نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. نَبْتَلِيهِ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ". فَجَعَلْنَاهُ "الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(جَعَلْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ. سَمِيعًا مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. بَصِيرًا مَفْعُولٌ بِهِ ثَالِثٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
قال الله سبحانه وتعالى "إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا (م: وجوب اقلاب نون التنوين الى ميم في سميعا وتقرأ سميعم لوجود حرف باء بعدها) بَصِيرًا" (الانسان 2)







اسعد الدلفي
منذ 18 ساعة
أدباء المنصة
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
EN