مقدمة: جدلية الوفرة والفاقة
في المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية للعراق، لطالما هيمنت مفارقة وجودية: وفرة هائلة في الموارد الطبيعية تقابلها فاقة مزمنة تعيشها شرائح واسعة من سكانه. هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي الإشكالية المركزية التي تشكل العصب الاقتصادي والاجتماعي للدولة العراقية الحديثة. واليوم، تزداد هذه الجدلية تعقيدًا حين نضعها في سياق التحديات البيئية، حيث يكشف تقرير برنامج الأغذية العالمي (WFP) أن العراق خسر (12) مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التصحر وملوحة التربة وشح المياه.
نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي الأخير الصادر عن وزارة التخطيط تضعنا أمام لحظة فارقة، لحظة تتطلب تجاوز القراءات السطحية للأرقام والغوص في دلالاتها العميقة. فالبيانات الجديدة لا تقدم إجابات نهائية، بل ترسم لوحة بانورامية معقدة لمجتمع يصارع من أجل التعافي، لوحة تمتزج فيها ألوان الأمل الباهتة بظلال التحديات البنيوية القاتمة. هذه المقالة هي محاولة لتفكيك هذه اللوحة، وقراءة ما بين سطور الأرقام لفهم ديناميكيات الفقر والرخاء في عراق اليوم.
بصيص أمل في لغة الأرقام
للوهلة الأولى، تبعث الأرقام على تفاؤل حذر. إن انخفاض المعدل العام للفقر من (20.05%) عام 2018 إلى (17.5%) اليوم هو إنجاز لا يمكن إنكاره. إنه يمثل، بلغة الأرقام، قصة نجاح لملايين العراقيين الذين تمكنوا من عبور الخط الفاصل بين العوز والكفاف. يتزامن هذا التحسن مع مؤشرات اقتصادية كلية، حيث تُظهر بيانات البنك الدولي تعافي نمو الناتج المحلي الإجمالي بعد سنوات من الانكماش. هذا التحسن ليس مجرد تجريد إحصائي، بل هو مؤشر على أن سياسات الحماية الاجتماعية، وزيادة الإيرادات النفطية، والتعافي التدريجي للاقتصاد بعد سنوات الحرب، قد بدأت تؤتي ثمارها.
لكن هذا الضوء، على أهميته، لا يكفي لإنارة الصورة الكاملة، فخلفه تتكشف فجوة مقلقة في صميم حياة الأسرة العراقية. إذ يكشف المسح أن متوسط إنفاق الأسرة الشهري (1.467) مليون دينار يفوق بشكل واضح متوسط دخلها (1.188) مليون دينار هذه الفجوة المالية ليست مجرد رقم، بل هي قصة الاقتراض اليومي، والديون المتراكمة، والضغط النفسي الذي يعيشه رب كل أسرة لتأمين متطلبات حياة كريمة في ظل اقتصاد يعاني من بطالة هيكلية تبلغ (13.5%).
جغرافيا التفاوت: عراق بسرعتين
إن أخطر ما تكشفه الخريطة الجديدة للفقر هو التفاوت الجغرافي الصارخ، الذي يرسم ملامح عراق يسير بسرعتين مختلفتين. في محافظات شمال العراق، تبدو الصورة أكثر إشراقًا، حيث تسجل أربيل (7%) والسليمانية (8%) كمعدلات للفقر، مما يعكس بيئة اقتصادية أكثر تنوعًا واستقرارًا نسبيًا. وعلى النقيض تمامًا، تغرق محافظات الجنوب والوسط في واقع أشد قسوة. ففي المثنى، يعيش (40%) من السكان تحت خط الفقر، وفي بابل (35.7%) هذا الشرخ الجغرافي ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة المباشرة لعقود من المركزية الاقتصادية، وتوزيع غير عادل لثمار التنمية، وتأثيرات بيئية مدمرة أدت إلى تدهور الزراعة في هذه المناطق التي كانت يومًا خزان العراق الغذائي، وهو ما تؤكده بيانات البنك الدولي التي تظهر تراجعًا مقلقًا في نسبة الأراضي الصالحة للزراعة على مدى العقدين الماضيين. إن هذا التفاوت لا يهدد التماسك الاجتماعي فحسب، بل يضع علامة استفهام كبرى حول مفهوم "المواطنة الاقتصادية" في البلاد.
قيامة من الرماد: قصة الصمود في المحافظات المحررة
وسط هذه الصورة المعقدة، تبرز قصة صمود استثنائية تبعث على الإلهام، وتتمثل في التعافي المذهل للمحافظات التي دمرتها الحرب ضد الإرهاب. إن انخفاض نسبة الفقر في نينوى من (38%) إلى (13%) ، وفي ذي قار من (40%) إلى (15%) ، وفي الديوانية من (48%) إلى (29%) ، هو أشبه بمعجزة اقتصادية واجتماعية. هذه الأرقام تحكي قصة مجتمعات رفضت الاستسلام للدمار، وقصة عودة الحياة إلى مدن سويت بالأرض، وقصة تضافر الجهود الحكومية والدولية والمحلية لإعادة بناء البنية التحتية والأسواق. إن قصة صمود هذه المحافظات تقدم دليلاً حيًا على أن الاستثمار في الاستقرار الأمني، وإعادة الإعمار، وتمكين المجتمعات المحلية، هو أقصر الطرق وأكثرها فعالية لمحاربة الفقر.
خاتمة: نحو عقد اجتماعي جديد ومستدام
إن الأرقام الجديدة، بكل تناقضاتها، تؤكد حقيقة واحدة: إن معركة العراق ضد الفقر ليست معركة أرقام يمكن تحقيقها بزيادة الإنفاق الحكومي فحسب، بل هي معركة بنيوية تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن والاقتصاد والبيئة. إن المستقبل يكمن في تفكيك "لعنة المورد الواحد" عبر استراتيجية وطنية حقيقية لتنويع الاقتصاد، ودعم الزراعة التي لا يزال دورها هامشيًا حيث أن (15.5%) فقط من الأسر تمتلك حيازات زراعية. ويكمن الحل في شن حرب لا هوادة فيها على الفساد، وفي الاستثمار في رأس المال البشري عبر برامج تمكين للشباب كتلك التي يقودها برنامج الأغذية العالمي والتي أثبتت نجاحها.
والأهم من ذلك، أن أي عقد اجتماعي جديد يجب أن يضع الاستدامة البيئية في صميمه. لم يعد بالإمكان تجاهل أزمة المياه والتصحر التي تهدد الأمن الغذائي والمائي للبلاد. إن الخروج من نفق الرخاء المؤجل يتطلب أكثر من مجرد سياسات، إنه يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا "أخضر"، أساسه التنمية المستدامة، والعدالة في التوزيع، والحكم الرشيد. عندها فقط، يمكن لأرض السواد أن تستعيد وعدها التاريخي بالوفرة والازدهار لجميع أبنائها.







محسن حسنين مرتضى السندي
منذ ساعتين
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
أنا عراقي أين أقرأ ؟
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN