وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) (البقرة)
ومبحث اخر في هذه الايات المباركة يتمثّل في الفصاحة، وبلاغة المعنى، وروعة النظم، وبداعة الاُسلوب عند العرب، ففيTذلك الزمان البكر ولاسيما فجر الرسالة نبغ من العرب اقوام لا يمكن مجاراتهم في فنون الادب والنباهة، والحق ان الحجاج من أي احد صدر هو من افضل طرق التواصل التي تستهدف الاستمالة والإقناع والتأثير, حين يستند الى بنية لغوية تواصلية بين طرفين هما: المتكلم والمتلقي، والمفروض ان يوظف في تغيير العادات والتقاليد التي لا تنسجم مع الفطرة واصلاح الاحوال الردية القائمة.
ولما كان الإنسان هو المقصود غاية وهدفا في ابتعاث الرسل والانبياء، وإنزال الكتب والصحف، حيث اقتضت الحكمة والمشيئة والرحمة الالهية بالإنسان ألا يخلقه عبثا، وألا يتركه سدى، وإنّما تكفل بهدايته وإرشاده، وأن ياخذ بيده إلى الطريق الأقوم، والمنهج الأمثل، ثم طمأنه منذ استقراره في الأرض أنه لن يدعه طعاماً سائغاً لشياطين الانس والجن، ولن يتركه نهباً للوهم، والخبط، والضلال، والشهوات، ولن يسلمه للجهالة والحيرة والضياع، وإنما أكرمه بالرشاد والارشاد الى التي هي أقوم، وعلى هذا قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)،النساء.
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب، 70 – 73.
وقوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)، الاعراف، 156.
فانه جل شانه بهذه الرحمة يرسم له جادة التشريع ويعلمه وجوب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور، وعدم الاغترار بالظواهر إلاّ بعد التجربة والامتحان، فإن من الناس من يغُر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة وهو يضمر الشر والكيد قال المعري: أُرائيكَ فَليَغفِر لِيَ اللَهُ زَلَّتي
بِذاكَ وَدينُ العالَمينَ رِياءُ
وَقَد يُخلِفُ الإِنسانُ ظَنَّ عَشيرِهِ
وَإِن راقَ مِنهُ مَنظَرٌ وَرُواءُ
إِذا قَومُنا لَم يَعبُدوا اللَهَ وَحدَهُ
بِنُصحٍ فَإِنّا مِنهُمُ بُرَآءُ
وقال الجاحظ: وذكر – القران الكريم - العرب وما فيها من الدهاء والنكراء والمكر ومن بلاغة الالسنة واللدد عند الخصومة فقال: ( اذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد )، وقال: ( لتنذر به قوما لدا)، وقال: ( ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام) وقال: ( أالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون)، ثم ذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الاسماع بحسن منطقهم فقال: ( وإن يقولوا تسمع لقولهم)، ثم قال عز وجل: ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا)، مع قوله: ( وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل)... وقيل لذوهمان: ما تقول في خزاعة قال: (جوع وأحاديث)، البيان والتبيين، ج 1 ص 22.
بمعنى كسالى لا يعملون، وفي مثل هذه الاجواء تتسمم الحياة وتمتلئ بالتفاهات وتصبح العلاقات قشرية لا معنى لها، وغالبا ما تؤدي تلك الاحاديث والتنظيرات الجوفاء غير العملية الى اشاعة الخصومة والعداوة بين ابناء المجتمع الواحد.
نعم ورد عن النبي صلى الله عليه واله قوله: ( ان من البيان لسحرا)، والبيان هو البيان سواء كان مع الكسل ام مع العمل الا ان خطورته تكمن في الاصطياد به لأغراض خبيثة، فيبلغ الى حد انه يُشهد الله على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت في نفسه الخصام والكراهية.
الاية موضوعة البحث تناولت هذا الجانب بافضل بيان موجز، اذ تظهر علائم ما يضمره الانسان في تصرفاته لان الذي يميل الى الفساد والافساد ويعمل على نشر الرذيلة ومخالفة الفطرة وهلاك الحرث والنسل، ولا يمتلك بقايا ضمير، وفي اذانه عن سماع المواعظ وقرا، ولا يرتدع عن غيه ولا يترك سفالته واخلاقه الذميمة، والذي يشح بنفسه عن نصرة الحق ينبئ حاله عن مقاله فوجب التحذير منه وممن على هو شاكلته، والاول والثاني قادة حزب الرذيلة وهم من عنتهم الايات المباركة بحسب الروايات الشريفة.







د.فاضل حسن شريف
منذ يومين
الرسول محمد وابنته فاطمة الزهراء -عليهما السلام- حاضران في واقعة الطف
العيد في زمن كورونا
صراع حضارات أم حوار حضارات ؟
EN