ومن الايات القرانية النازلة في ذم بعض الصحابة: قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمً)، الاحزاب، 53.
قال البغوي في تفسيره للآية: "نزلت في رجل من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) قال: لئن قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأنكحن عائشة، قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله، فأخبره الله عز وجل أن ذلك محرّم، وقال: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} أي: ذنباً عظيماً".
ومنها: قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ على حَرْفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتنَةٌ انقلبَ على وجهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرةِ...) الحج، 11.
اجمع المفسرون الا من شذ على ان الآية نزلت في من نافق من الصحابة، وتردد صاحب الامثل حفظه الله بأذا، واذا لا موجب له، لان العبادة يمكن ان تقع من دون ايمان، اما معنى (اطمأن به) فليس من الاطمئنان القلبي وانما بمعنى الرضا عما اصابه من خير دنيوي كما سياتي.
وكيف كان فقد قال بعضهم: على حرف أي على شك، وقال غيرهم: على حرف أي على طرف. ومنه حرف الجبل، أي: طرفه وحافته، بمعنى دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر، وإلا ارتد علنا او نافق.
فالآية نزلت في الصحابة الذين لم يستشعروا الاسلام في نفوسهم فكان اسلامهم مستعارا متزلزلا، كضعف القائم على حائط مضطربا فيه، وفيه اشارة الى الايمان الهامشي الذي لا يتجاوز لقلقة اللسان والدعاوى والمبالغات الجوفاء، اما القلوب فلم تذق طعم الاسلام ولا انارتها بيناته فهي تتخبط في ظلام القلق والشك ابدا، ذلك لانهم اسلموا اما خوفا او طمعا فان اصابهم خير اطمأنوا به واعتبروا ذلك فأل خير بسبب الدين وان امتحنوا بالفتن والمشاكل والمرض والفقر اعتبروا ذلك فأل شر فانقلبوا عن الاسلام وان اظهروه بألسنتهم، قال الرازي في تفسيره: ( واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: { وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ } وفي تفسير الحرف وجهان : الأول : ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين ، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني : قوله : { على حَرْفٍ } أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . وهذا هو المراد { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ } لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى : { مذبذبين بَيْنَ ذلك } [ النساء : 143 ] وكقوله : { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } [ النساء : 141 ]، ومثله قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا )، وغيرها مما سنذكره ان شاء الله تعالى.
قالوا في بعض اسباب النزول: نزلت في بعض الاعراب الذين قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صحّ بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً، وولدت امرأته غلاماً سوياً، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلاّ خيراً... وإن كان الاَمر بخلافه قال: ما أصبت إلاّ شرّاً، ونحو ذلك.
اقول: المورد لا يخصص الوارد فالآية تنطبق على كل منافق يتصف بهذه الصفات الانتهازية الذميمة سواء كان من اهل البوادي او من اهل الحضر.
وهؤلاء الصحابة تتناسب درجات إيمانهم تناسبا طردياً مع ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، فهم بين اندفاع وانكماش وبين تقدّم وتراجع تبعاً للظروف، ومع القول بإسلامهم الظاهري وانهم رافقوا النبي صلى الله عليه واله، إلاّ أن الاِيمان لم يدخل قلوبهم، فهم اشبه بمن نهاهم القران الكريم عن ادعاء الايمان بقوله تعالى: (قالتِ الاَعرابُ آمنّا قُلْ لم تؤمنُوا ولكِن قُولُوا أسلَمنا ولمّا يَدخُلِ الاِيمانُ في قلوبِكُم)، قال امير المؤمنين عليه السلام: (فَمِنَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ )، فمن الناس من يتشرب الايمان حتى يرتوي كل كيانه ويصل الى جذور المشاعر والوجدان فيتحول الى حالة صلبة لا تعمل فيها المعاول، وحينئذ يتمثل الايمان فكرة في العقل وعاطفة طيبة في القلب وحركة هادفة في الواقع، ومن الناس من يبقى الايمان طارئا عليه مستعارا عنده فاذا تعرض لشبهة من هنا او هناك اهتز واضطرب وسقط في الامتحان فخسر دنياه واخرته، ومعنى قوله عليه السلام: ( فقفوه حتى يحضره الموت) أي لا تحكموا على احد بالفوز والفلاح حتى يحضره الموت فان بقي على ايمانه وولايته لال محمد عليهم السلام فإيمانه ثابت والا فمستقر ومستعار، وكم رأينا اناسا انقلبوا على اعقابهم وارتدوا باقوالهم وربما بافعالهم عن الايمان، وراينا اخرين ممن اشتد الايمان في عقولهم وضمائرهم قد ثبتوا تحت سياط الجلاد وتحملوا عنف التعذيب او قاوموا وصبروا او جاهدوا اعداء الاسلام في ساحات الوغى في اشد الظروف حراجة فلم يعطوا الدنية في دينهم حتى قضوا شهداء اعزاء، وهذا هو حال الانسان فالآية تجري كما يجري الليل والنهار، وقد جرت في الاولين وهي جارية في الاخرين.
ويلحق بهذا الصنف من الصحابة المنافقين المؤلفة قلوبهم، فإنّ النبي صلى الله عليه واله كان يعطيهم الاَموال ليتألفهم على الاِسلام، ومنهم يعلى بن امية وأبو سفيان وأولاده، وفلان وفلان اللذان لعنهما رسول الله صلى الله عليه واله فقالت عائشة يا رسول الله من اصاب من الخير ما اصاب هذان!! بمعنى ان لعن النبي لهما رحمة كما يدَعون.. صحيح البخاري كتاب البر والصلة والآداب..
والحق ان هؤلاء قد خسروا الدنيا التي كانت اكبر همهم والاخرة كذلك، ثم يضيف القران الكريم ان خسران الاخرة هو الخسران المبين، لان افدح الخسران هو ان يخسر الانسان دينه وقيمه التي تصنع منه انسانا متحضرا، ومثل هؤلاء الذين يكون ارتباطهم بالاِسلام قائماً على أساس مقدار العطاء، لا يتوقع منهم الخير ابدا فهم اما كالكل على مولاه او اعداء يتحينون بالمؤمنين الفرص.







د.فاضل حسن شريف
منذ يومين
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
الشيخ المقدسي (رحمه الله)
تحيةٌ عِدْلَ العراق
EN