قسمت هذه الآيات البشر من ناحية منطقهم وسيرتهم إلى مجموعتين: 1. فمنطق البعض وسيرتهم يقومان على طلب الدنيا ويقولون: اللهم من علينا بالدنيا! ولما كان طلبهم مطلقاً لم يقيدوه بالحسنة، فيكون معناه: ربنا ارزقنا مالاً، ولا يهمنا إن كان هذا المال حسنة أم سيئة، حلالاً كان أم حراماً، وطيباً أم خبيثاً. وحتى لو افترضنا أنهم كانوا يقصدون في طلبهم الحسنة والحلال والطيب، إلا أن الآخرة هي آخر ما يفكرون فيه: (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا).
ويلاحظ على عبارة (يَقُولُ) الملاحظتان التاليتان: أ. إنها كناية عن منطق وأسلوب هؤلاء في السلوك والكلام والتفكير، وبيان لسيرتهم العلمية والعملية قولاً وفعلاً؛ كما في آية (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ...[1]) التي ليس المقصود فيها هو خصوص القول بمعنى اللفظ، بل إن الرقيب العتيد يسجل كل عمل مهما كان. ومعنى ذلك أنّ الشخص حتى ولو طلب الحسنة بلسانه من الله، ولكن لم تخل أعماله من المعاصي والذنوب؛ يكون من المجموعة الأولى في الحقيقة.
ب. إنها تتضمن الاستمرار والدوام، لأنها فعل مضارع، فيكون المعنى أن سيرة أُولئك المستمرة هي طلب الدنيا.
2. أما البعض الآخر فمنطقهم هو طلب الحسنة، حيث يطلبون حسنة الدنيا والآخرة من الله؛ أي يريدون الدنيا الحسنة والآخرة الحسنة؛ لأنهم يعلمون أن الدنيا والآخرة فيهما الحسنة كما فيهما السيئة، فيطلبون من الله حسنة الدنيا والآخرة والنجاة من المعاصي في الدنيا ومن النار في الآخرة: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
وعنوان (عذاب النار) وإن كان يصرف الذهن إلى نار جهنم، لكنه لا صراحة فيه على انحصاره بالمعاد، فيكون ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام - من أن المرأة السوء مصداق لعذاب النار، وأنّ المؤمن الصالح عند طلبه حسنة الدنيا والآخرة يطلب صيانته من المرأة السيئة[2] - مصداقاً من مصاديق العنوان المذكور. وبذلك يظهر ضعف نقد القرطبي واستبعاده لذلك[3].
وفي هذه الآيات بين الله جواب دعاء كلتا هاتين المجموعتين بصورة إجمالية: فالمجموعة الأولى الذين قصروا همهم على الدنيا فقط، حرموا أنفسهم من النفع الأخروي: (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) ولم يبق لهم سوى منافع الدنيا التي سوف يعطي الله منها لمن يشاء طبقاً لما يراه من المصلحة[4].
أما المجموعة الثانية التي تريد حسنة الدنيا والآخرة، فسينالون نصيباً مما كسبوه في النشأتين:. (أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا[5]).
والجملة الأخيرة يمكن أن تشمل كلتا المجموعتين، وإن كان البعض اعتبرها خاصة بالمجموعة الثانية قائلاً إن جواب المجموعة الأولى قد سمعوه في جملة: (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، في حين أن تلك الجملة هي جواب آخرتهم وليس جواب ما كسبوه للدنيا ومتاعها الذي طلبوه من الله[6].
وعلى هذا الاساس فدعاء الموحدين يطلبون حسنة الدنيا والاخرة يعتقدون بالمعاد وينحصر سعيهم في حطام الدنيا ومعنى تقريب الاصنام وشفاعتها هو متاع الدنيا ولا شيء سواه حيث يكون دعاءهم مستجابا في الدنيا على العموم في حين لا يكون له أي أثر في يوم القيامة: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ[7]).
وفي موضع اخر يقسم القرآن الكريم الناس الى مجموعتين فيقول: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا[8])، فصحيح أن هذه الفئة تريد الدنيا وتسعى لها سعيها ولكن الامر ليس كذلك بحيث ينال كل من أراد ما أراد بل – أولا إنا لانعطيهم إلا ما نريد اعطاءهم إياه: (مَا نَشَاءُ) لا يطلبونه هم وثانيا إنا نعطي من نريد اعطاءه: (لِمَن نُّرِيدُ) أي إنه في الحقيقة بين جوابه على هيئة موجبتين جزئيتين.
والفئة الثانية تريد الاخرى وتسعى لها سعيها وقد أجابهم بصورة الموجبة الكلية بأن كل من بذل جهدا للآخرة بأي مقدار سوف يلقى ثمرة عمله بما يتناسب مع مقدار ذلك الجهد: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا[9]).
ومن هذه الآية يظهر أوّلاً: أنّ الحسن الفعلي لا يكفي لنيل ثواب الآخرة، بل يحتاج إلى الحسن الفاعلي؛ أي يجب السعي الصحيح إضافة إلى كون الساعي مؤمناً: (وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ).
ثانياً: أنّ كلّ إنسان سوف يحصل على الثواب الأخروي بقدر سعيه، فكلّما كان سعيه أكثر كلما حصل على ثواب أكبر.
ولا شك في أنه ليست جميع المنافع متوقفة على العمل والسعي فقط، لأن التفضّل الإلهي له بحث مستقل.
وبعد أن يبيّن الله سبحانه هذا التقسيم يشير إلى توفر وسيلة الوصول إلى المقصد الخاص لكل واحدة من هاتين المجموعتين: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا[10]).
تنبيه: إن الفرق بين الخلاق والنصيب في الآيتين: (...مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ[11]) و(أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا[12]) هو أن (الخلاق) فضيلة تحصل نتيجة الخلق الحَسَن[13]، أما (النصيب) فيشمل الفضيلة والرذيلة[14].
[2] مجمع البيان، ج1 - 2، ص530 ؛ الجامع لأحكام القرآن، مج1، ج2، ص 400.
[3] الجامع لأحكام القرآن، مج1، ج2، ص 400.
[4] سورة الإسراء، الآية18.
[5] سورة البقرة، الآية 202.
[6] راجع: جامع البيان مج2 ج2 ص401-402 التفسير الكبير مج3 ج5 ص189
[8] سورة الاسراء الاية 18
[9] سورة الاسراء الاية 19
[10] سورة الإسراء، الآية 20.
[11] سورة البقرة، الآية 102 .
[12] سورة البقرة، الآية 202.
[13] مفردات ألفاظ القرآن، ص 297، خ ل ق .
[14] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 530 ؛ وراجع: بيان السعادة، ج 1، ص 184 .