جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» في ذيل قوله تعالى: ولَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً[1] الآية: وتخلّف عن رسول الله قوم من أهل ثبات وبصائر لم يكن يلحقهم شكّ ولا ارتياب؛ ولكنّهم قالوا: نلحق برسول الله. منهم أبُو خَيْثَمَة. ثمّ ذكر قصّته[2]. ولكن لمّا ذكرها الواقديّ بصورة أكثر تفصيلًا لذلك ننقلها فيما يأتي: وكان أبو خَيْثَمَة قد تخلّف عن رسول الله. وكان لا يُتّهم في إسلامه ولا يُغمَص عليه؛ فعزم له على ما عزم. فرجع بعد أن سار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عشرة أيّام، حتّى دخل على امرأتين له في يوم حارّ. فوجدهما في عريشين لهما. (العريش حجيرة يستظلّ بها وهي شبه الخيمة. تصنع من خشب وورق وغيرهما) قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماءً، وهيّأت له فيه طعاماً.
فلمّا انتهى إليهما، قام على العريشين، فقال: سُبْحَانَ اللهِ! رَسُولُ اللهِ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأخَّرَ في الضَّحِ[3] والرِّيحِ والحَرِّ يَحْمِلُ سِلَاحَهُ عَلَى عُنُقِهِ وأبُو خَيْثَمَةَ في ظِلَالٍ بَارِدٍ وطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وامْرَأتَيْنِ حَسْنَاوَيْنِ مُقِيمٌ في مَالِهِ؛ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ.
ثمّ قال: والله، لا أدخل عريش واحدة منكما حتّى أخرج فألحق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فأناخ ناضحه وشدّ عليه قَتَبَه، وتزوّد، وارتحل. فجعلت امرأتاه تكلّمانه ولا يكلّمهما؛ وسار حتّى أدرك عُمَيْرَ بْنَ وَهَبِ الجُمَحِيّ بوادي القرى يريد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. فصحبه فترافقا، حتّى إذا دَنَوا من تبوك. قال أبو خَيْثَمَة: يا عُمَيْرُ! إنّ لي ذنوباً وأنت لا ذنب لك! فلا عليك أن تخلّف عنّي حتّى آتي رسول الله قبلك، فأعتذر إليه وأتوب.
ففعل عمير، فسار أبو خَيْثَمَة حتّى إذا دنا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب الطريق.
قال رسول الله: كن أبا خيثمة؛ فقال الناس: يا رسول الله هذا أبوخيثمة.
فلمّا أناخ أبو خيثمة ناضحه، أقبل فسلّم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. فقال رسول الله: أوْلَى لَكَ[4] يَا أبَا خَيْثَمَة.
ثمّ أخبر رسول الله الخبر. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خيراً ودعا له[5].
[1] الآية 46، من السورة 9: التوبة.
[2] «تفسير القمّيّ» ص 296 و 270؛ و تفسير «الميزان» ج 9، ص 315 عن «تفسير القمّيّ».
[3] قال ابن الأثير في «النهاية» ج 3، ص 12: الضحّ: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض.
[4] أولى لك كلمة تهديد و وعيد. و المعنى: قاربك الشرّ فاحذر. و قيل: معناه: الوَيْلُ لَكَ. و قيل: أولاك الله ما تكرهه.
[5] «المغازي» ج 3، ص 998 و 999؛ و تفسير «مجمع البيان» ج 3، ص 79 طبعة صيدا؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 7 و 8؛ و «تفسير القمّيّ» ص 270؛ و تفسير «الميزان» ج 9، ص 315، عن «تفسير القمّيّ»؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 152؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 622 و 623؛ و كذلك في ص 625؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 278؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 196، الطبعة الرابعة؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 947 و 948؛ و «كتاب محمّد» ص 428.