المؤرّخون قالوا: وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم في تبوك. منهم: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِت، والجُلاسُ بْنُ سُوَيد بْن الصَّامِت، ومَخْيّش بْنُ حُمَيْرِّ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبْ. (وعند ما كانوا يسيرون). فقال ثعلبة: تحسبون أنّ قتال بني الأصفر (حرب الروم) كقتال غيرهم؟! والله لكأنّا بكم غداً مقرّنين في الحبال! (وكان يقول هذا) إرجافاً برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وترهيباً للمؤمنين (من القتال).
(ثمّ) قال وديعة: ما لي أرى قُرّاءنا هؤلاء أوعَبنا بطوناً، وأ كذَبنا ألسنةً، وأجبنَنا عند اللقاء؟! وقال الجلاس (بعده: انظروا) هؤلاء سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منّا! والله لئن كان محمّد صادق، لنحن شرّ من الحمير! والله، لوددت أنّي أُقاضي على أن يُضرَب كلّ رجل منّا مائةَ جلدة، وأنّا ننفلت من أن ينزل فينا القرآن بمقالتكم! فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعمّار بن ياسر: أدرك القوم فإنّهم قد احترقوا؛ فسلهم عمّا قالوا؛ فإن أنكرو، فقل: بلى، قد قلتم: كذا وكذا! فذهب إليهم عمّار، فقال لهم. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يعتذرون إليه.
فقال وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على ناقته، وقد أخذ بحَقَب (الحزام الذي يشدّ به حقو البعير) ناقة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ورجلاه تنسفان الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله! إنّما كنّا نخوض ونلعب! ولم يلتفت إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ، ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ، لَا تَعتَذِرُواْ قَد كَفَرتُم بَعدَ إِيمَٰنِكُم إِن نَّعفُ عَن طَآئِفَة مِّنكُم نُعَذِّب طَآئِفَةَ بِأَنَّهُم كَانُواْ مُجرِمِينَ [1].
قالوا: وكان عُمير ربيب جُلاس، وهو أحد المؤمنين برسول الله. وعند ما قال جُلاس: لَنحن شرّ من الحمير، ردّ عليه عُمَير وقال له: فأنت شرّ من الحمار! ورسول الله الصادق وأنت الكاذب!
وكان للجلاس دية في الجاهليّة على بعض قومه، وكان محتاجاً. فلمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة، أخذها له فاستغنى بها (وجاء الجُلاس عند رسول الله، وحلف إنّه ما تكلّم بهذا الكلام الذي فيه كفر). فأنزل الله على نبيّه هذه الآية: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا (همّوا بقتل رسول الله، أو إخراجه من المدينة، أو أي ضرب من ضروب الفساد والفوضى) وما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (في مقابل المحبّة والإخلاص المحض) فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ وما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ[2].
وقال مَخْيّش بْنُ حُمَيِّر: قد واللهِ يا رسول الله قعد بي، (ومنعني من الخيرات) اسمي واسم أبي.
[1] الآيات 64 إلى 66 من السورة 9: التوبة.
[2] الآية 74، من السورة 9: التوبة.
و ذكر الشيخ الطبرسيّ هذه القضيّة في «مجمع البيان» ج 3، ص 51 طبعة صيد، كأحد الاحتمالات المطروحة في تفسير الآية المباركة. و أوردها المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 626، عن «تفسير القمّيّ».