كان الذي عفي عنه في هذه الآية مخيّش بن حميّر -فسمّاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عبد الرحمن أو عبد الله- وسأل الله عزّ وجلّ أن يقتل شهيداً ولا يعلم بمكانه (شهيد مجهول أو بعبارة أفضل شهيد مجهول القبر) فقتل يوم اليَمَامَة، ولم يوجد له أثر[1].
قالوا: وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كلّ بطن من الأنصار أن يتّخذوا لواءً وراية. وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد دفع راية بني مالك بن النجّار إلى عُمَارة بْنِ حَزْمٍ. فأدرك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فأعطاه الراية. قال عُمارة: يا رسول الله! لعلّك وجدتَ عَلَيّ! قَالَ: لَا واللهِ ولَكِنْ قَدِّمُوا القُرْآنَ! وكَانَ أكْثَرَ أخْذاً لِلقُرْآنِ مِنْكَ! والقُرْآنُ يُقَدِّمُ وإنْ كَانَ عَبْدَاً مُجَدَّعَاً[2].
وعند ما أصبح رسول الله في منزل من المنازل في طريق تبوك، ضلّت نَاقَتهُ القَصْوَاء. فخرج أصحابه في طلبها. وعند رسول الله عُمَارَة بْنِ حَزْمٍ وهو عقبيّ بدريّ قتل يوم اليمامة شهيداً وكان في رحله زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ أحد بني قَيْنُقَاع. كان يهوديّاً فأسلم، (و لكنّه) نافق. وكان فيه خبث اليهود وغِشّهم. وكان مُظاهراً لأهل النفاق. فقال زيد وهو في رحل عُمارة، وعُمارة عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: أ ليس محمّد يزعم أنّه نبيّ، وأنّه يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ منافقاً يقول: إنّ محمّداً يزعم أنّه نبيّ، وأنّه يخبركم بأمر السماء، ولا يدري أين ناقته! وإنّي والله ما أعلم إلّا ما علّمني الله، وقد دلّني عليها، وهي في الوادي في شِعب كذا وكذا -و أشار لهم إليه- حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتّى تأتوا بها. فذهبوا فجاؤوا بها.
فرجع عمارة إلى رَحله، فقال: العجب من شيء، حدّثناه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. أنّها عن مقالة قائل أخبره الله عنه! قال: كذا وكذا، الذي قال زيد.
قال: فقال رجل ممّن كان في رَحل عُمارة، ولم يحضر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا (و ما إن سمع عُماره هذا الكلام قام) وأقبل على زيد بن اللُّصَيْت يَجَاه في عنقه. ويقول: واللهِ، إنّ في رَحلِي لَداهِية وما أدري. اخرج يا عدوّ الله من رحلي! (قيل:) وكان الذي أخبر عمارة بمقالة زيد أخوه عَمْرو بن حَزْم. وكان في الرحل مع رهط من أصحابه. والذي ذهب فجاء بالناقة من الشعب الحَارِثُ بْنُ خَزَمَة الأشْهَلِيّ؛ وجدها وزمامها قد تعلّق في شجرة.
فقال زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْت: لكأنّي لم اسلم إلّا اليوم. قد كنت شاكّاً في مُحَمَّد، وقد أصبحت وأنا فيه ذو بَصيرة. وأشهد أنّه رسول الله. فزعم الناس أنّه تاب. وكان خَارِجَةُ بنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يُنكر توبته ويقول: لم يزل فَسْلًا حتّى مات[3].
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك! وإنّكم لن تنالوها حتّى يضحي النهار. فمن جاءها فلا يمسّ من مائها شيئاً حتّى آتي.
قال مُعَاذُ بْنُ جَبَل: فجئناها (مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الزلال، تَبِضّ بشيء من ماء (تسيل قليلًا قليلًا). فسألهما (رسول الله): هل مَسِسْتُما من مائها شيئاً؟!
قالا: نعم! فسبّهما النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثمّ غَرَفُوا بأيديهم قليلًا قليلًا (بأمر النبيّ) حتّى اجتمع في شَنّ (قربة خلقة)، ثمّ غسل النبيّ فيه وجهَه ويديه، ثمّ أعاده فيها، فجاءت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثمّ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لمعاذ: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلِئ جِناناً[4]!
[1] «المغازي» للواقديّ، ج 3، ص 1003 إلى 1005؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 199، الطبعة الرابعة؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 951 و 952.
[2] «المغازي» ج 3، ص 1003.
[3] «المغازي» ج 3، ص 1009 و 1010؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 9؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 153؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 629 عن «الخرائج و الجرائح» للراونديّ؛ و كذلك أوردها في ص 632 من «الكافي»؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 279 و 280؛ و «حبيب السير» ج 1، ص 399 و 400؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 949 و 950.
[4] «المغازي» ج 3، ص 1012 و 1013. و حدث مثل هذه الواقعة عند الرجوع من تبوك. كما قال في ص 1039 من هذا الكتاب: عند الرجوع من تبوك كان بينها و بين وادي الناقة حجر أو جبل يخرج منه قدر ما يروي الراكبَيْن أو الثلاثة. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: من سبقنا إلى ذلك المكان (الوَشل) فلا يستقينَّ منه شيئاً حتّى نأتي. فسبق إليه أربعة من المنافقين. و لمّا وصل رسول الله، قال: أ لم أنهَكم؟ و لعنهم و دعا عليهم، ثمّ نزل فوضع يده في الوَشَل حتّى اجتمع في كفّه منه ماء قليل، ثمّ نَضَحه، ثمّ مسحه بيده، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق الماء فشرب الناس ما شاءوا، وَ سَقَوا ما شاءوا. قال سلَمة بن سَلامة بن وَقش: قلت لوديعة بن ثابت (و هو أحد المنافقين الأربعة): ويلك! أبعد ما ترى شيء؟ أ ما تعتبر؟! قال: قد كان يفعل مثل هذا من قبل؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 155 و 162؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 632 عن «الكافي»؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 12.