سجل جاو الأول (لمَّا كان المدعو «ويرانغ» يعمل في خدمة)
المؤلف:
ليو شيانغ
المصدر:
سياسات الدول المتحاربة
الجزء والصفحة:
ص 348 ــ 351
2026-06-29
26
كان المدعو ويرانغ — أحد الفرسان المشهود لهم بالوفاء والإخلاص [وهو أيضًا حفيد بيانغ، أحد الفرسان المشهورين بالشجاعة في دولة جين] — يعمل في أول الأمر، لدى كل من «آل فان»، و«تشون هان»؛ وإذ لم يشعر بالارتياح، فقد سئم العمل لديهما، وترك خدمتهما وذهب ليعمل لدى جيبو الذي أحبه وأغدق عليه من الفضل الشيء الكثير، وحدث أن تفرق آل جيبو أيدي سبأ، لما أصابهم من المحنة على يد الدول الثلاث: هان، ووي، وجاو، التي سلبت أرض تلك العائلة واجتزأت كل دولة منها قسمًا لتضمَّه إلى رقعة أملاكها، وكان الملك شيانزي أشد الجميع بُغضًا وتحاملًا على جيبو، حتى إنه (لم يكتفِ بقتله، بل قطع رأسه وأفرغ جمجمته وجعل منها قنينة يشرب فيها الخمر، فلما رأى ويرانغ ما حدث لسيده … فقد أسلم ساقَيه للريح) وفر هاربًا إلى منطقة شانجون، وكان إذ ذاك يُناجي نفسه قائلًا: «الويل لي؛ إذ تركت دم سيدي يضيع هدرًا، ألا إن الشجاع الكريم لا يتوانى عن أن يبذل روحه فداءً لمن أحسن إليه، وأغدق عليه إحسانًا وعرفانًا، بل إن الفتاة الحسناء تتزين وتتجمَّل لمن أثرها بحبه [هكذا حرفيًّا] … (إن الشيء الذي يُحسِّن صورتي لدى جيبو، هو أن …) أنتقم له!»
ثم إنه انتحل اسمًا ولقبًا آخرين، وتظاهر بأنه أحد المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، ودلف إلى القصر الملكي، بحجة أنه مكلف بتنفيذ العقوبة لدى القصر، وأمسك بالفرشاة والطلاء وذهب ليطلي جدران الحمام الملكي، لينتهز فرصة وجوده بالداخل فيثب على الملك ويقتله، فلمَّا همَّ الملك بدخول الحمام لقضاء حاجته أخذته رعدة مفاجئة وانتبه إلى الرجل المتربص له فقبض عليه، واستجوب العاملين في الحمام عنه، فتكشَّف له أنه ويرانغ بلحمه ودمه وأقر المذكور بحقيقة حاله وأشهر في وجه جلالته المدية التي خبَّأها في أدوات الطلاء، صارخًا في وجهه: «لا بد أن أنتقم لسيدي جيبو!» فأحاط به الحراس يريدون أن يفتكوا به، فنهرهم الملك قائلًا: «هو ذا فارس نبيل وشجاع دعوه، ولا تؤذوه بشيء ويكفيني أن أحترس منه وأتقي شره … هذا الرجل ذو مروءة حقًّا) … فعلى الرغم من أن جيبو قد مات دون أن ينجب أنجالًا، فإن مساعده المخلص، آثر أن ينتقم له بنفسه، وتلك خصلة من خصال الشرف العظيم.»
وهكذا فقد أُطلق سراح يوارنغ، لكنه ما فتئ يتحيل كل ما في وسعه للثأر، فدهن جسده بدهانٍ يوهِم الناس بأنه مُصاب بالبرص، وأزال لحيته وحاجبَيه وشوَّه قسمات وجهه، واتخذ هيئة شحاذ، وعاد إلى بلدته يتسوَّل في الطرقات، فلما رأته زوجته أنكرته، قائلة: «إن صوته كصوت زوجي، لكن وجهه ليس الوجه الذي ألفته.» فلم يلبث يوارنغ أن وضع الفحم في حلقومه فصار أجش الصوت وتغيَّرت نبرة نطقه المعهود، وقال له صديقه وهو يحاوره: «أراك تتوسَّل بأصعب الحيل لتنفيذ مأربك، ومع ذلك فلا أظنك تنال بغيتك [حرفيًّا: الوسائل صعبة ومُعقدة، لكن النجاح بعيد ومستحيل] فقد أصبت من العزم والإرادة أكثر مما أتقنت من الدهاء والمكر، فماذا لو استعملت عقلك ومهارتك وأظهرت الطاعة للملك شيانزي وقمتَ على خدمته بكل تفانٍ، حتى إذا ما غمرك بعطفه وشملك بإحسانه، كنت أقرب إليه وأدل عليه من الآخرين وأصبحت — من ثم — أقرب إلى تنفيذ ما عقدت عليه عزمك فنلت منه أقرب طريق، وتحقق لخطتك النجاح على النحو الذي تريد.» وإذا ﺑ «يوارنغ» يُجيبه ساخرًا: فهكذا، إذن، أنتقم للرجل الكريم الذي غمرني بعطفه وإحسانه من رجلٍ آخر أكثر كرمًا وشرفًا وإحسانًا، تلك إذن هي الطريقة المثلى كي أثأر للسيد الأول من السيد الثاني، إن ما تقترحه عليَّ لا يختلف كثيرًا عما يلجأ إليه المُنتهكون لمواثيق سادتهم، والمخربون والمجرمون في حق أولياء النعمة عليهم، واعلم أن السبب الذي يدفعني ويدفع أمثالي فيما انتويته هو تبيان للمسلك القويم الذي يتأسس على الحق والعدل في العلاقة مع الملوك والوزراء، وربما كنت متخذًا في تحقيق ذلك أصعب الطرق والأساليب، لكن المسألة، هنا، لا تتعلق بالصعوبة أو السهولة وإنما بمشروعية المبدأ وأصالته هذا، وليس من المقبول أن أرفع لسيدي الهدايا وأقسم له على الطاعة وأنذر روحي فداءً لحياته، بينما أحمل له بين جوانحي نية الغدر به، فذلك وفاء يستبطن نفاقًا وغشًّا، وإذا كنت أسلك في طريق وعر، وأتحيَّل حيلة أعسر من العسر فإنما أردت من وراء ذلك أن أُلقن درسًا لكل الخونة والمنافقين والمُرائين لأسيادهم على مرِّ الأيام والدهور، لعلَّهم يستشعرون العار والخجل.
فما هي إلا أيام حتى قام الملك شيانزي وخرج في بعض شئونه، فكمن له ويرانغ تحت أحد الجسور التي طالما عبر عليها في طريقه، فما درى به شیانزي وهو يقترب من الجسر إلا عندما أجفل جواده واضطرب بشدة، فصاح الملك من فوره قائلًا: «قلبي يُحدثني أن ويرانغ مختبئ ها هنا.» وأرسل أحد رجاله يتحسَّس له الخبر، فإذا هو قد قبض على ويرانغ وأحضره إليه، فلما مثل بين يدَيه، عاتبه الملك عتابًا شديدًا، قائلًا له: «أما كنت قد قمت على خدمة أسيادك من بني فان وآل تشونهان؟ فماذا فعلت إذ نكَّل بهما مولاك جيبو وقضى عليهما بعد أن أعمل فيهما السيف وأنزل بهما الدمار، فلماذا لم تنتقِم لأسيادك حينئذ؟ بل الأدهى من ذلك أنك جنَّدت نفسك لخدمة جيبو، قاتل ولاة أمرك من قبل، ففيمَ إيثارك للرجل بكل هذا التذكار والعرفان، وهو قد مات وشبع موتًا، مثل الباقين؟» فأجابه ويرانغ قائلًا: «صحيح أني خدمت آل فان وتشونهان من قبل، لكني لم أكن عندهما سوى عامل كباقي العاملين عندهم، وبالتالي فقد تصرفت حيالهما مثل الآخرين، وما كانوا قد آثروني بشيء لأرده لهم على نحو خاص، فلم يختصوني بجميل ولا عاهدوني بفضل أو مأثرة كي أنتقم لهم دون غيرهم، لكن جيبو عرف لي قدري واتخذني لديه وزيرًا كما يتخذ السادة العظماء أمراءهم ورجال دولتهم؛ ولذلك فقد كان لزامًا عليَّ أن أقتص لموته، كما يقتص الوزراء لسادتهم وذوي الفضل عليهم.» فتنهَّد شیانزي طويلًا ثم كلم ويرانغ بصوتٍ تخنقه العبرات: «وا آسفا عليك أيها الرجل! قد قضيت على نفسك بعد أن خلدت اسمك في الخالدين فما عدت لأعفو عنك ثانية بعد أن سامحتك آنفًا، فانظر ما أنت صائر إليه وتأمَّل أحوالك؛ إذ لن يعود بإمكاني إطلاق سراحك.»
وأمر الملك رجال الحرس فأحاطوا به، فقال له ويرانغ: «كنت قد سمعت أن العاقل الحكيم لا يحول بين المرء وبين أن تذاع على الناس مآثره، ويُذكر له على الدوام محاسن عمله، هذا على الرغم مما هو معروف من أنه «لا يجتمع في امرئ الإخلاص والحرص على الشهرة.» وقد امتدحك الناس لسابق فضلٍ منك إذ عفوت عني في المرة الفائتة، ولا أذكر أنه كان من المتوقع أن يخترط جسدي بسيوف جنودك إثر ما وقع اليوم من وقائع، وأن ألقى في الحال جزاء فعلتي؛ ومع كل ذلك، فلكم تمنَّيت أن تأذن لي بقطعةٍ من ثيابك فأغمد فيها السكين، فأموت هانئًا وقد وفيتُ بعهدي فأفرغ قلبي من البغض لك والتحامُل عليك، وما كان ذلك هو مُبتغى جهدي في أول الأمر، لكني لا أملك الآن، إلا تلك الرغبة وقد صارحتك بما يعتمل في صدري.»
وتأمل الملك برهة، وعرف أن للرجل ذمة وشرفًا، فأرسل إليه بقطعة من ملابسه مع أحد العاملين، فأخذها ويرانغ، واستل مديته ووثب صائحًا بأعلى صوته وهو يقطع الثوب بحد السكين: «ألا هل وفيت بجميلك وأفضالك عليَّ يا سيدي جيبو؟» ثم طعن نفسه ومات منتحرًا، فلمَّا انتشر خبر موته، في ذلك اليوم، بين العاملين في القصر فقد غلبهم التأثر وترقرق الدمع في العيون.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريح الحضارة الصينية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة