كان الملك كاولي، حاكم تشو [ولد الملك تشينغ شيانغ، تولى العرش من 262 إلى 238ق.م.] رجلًا عاقرًا، لا ذرية له، وفكر الأمير (النبيل) تشون شن في أن يزوج الملك بامرأة ولود، وكان جلالته قد تزوَّج أكثر من مرة، بغير طائل.
وجاء رجل من مواطني تشو [يدعى ليوان] إلى القصر بأخته، يريد تزويجها الملك، لكنه عندما سمع أن جلالته ربما كان غير قادر على الإنجاب أصلًا، فقد خشي أن يردَّه دون أن ينال حظوةً لدَيه، وهكذا فقد حاول الرجل أن يتقرَّب إلى الأمير تشون شن، بل إنه تقدم إليه راجيًا أن يتَّخذه تابعًا أو حتى خادمًا يعمل عنده في بيته، فلما وافق الأمير وأبقاه معه بقي يعمل في خدمته فترة من الوقت، ثم استأذن في العودة إلى بلدته، ليعود بعد أجل معلوم، لكنه تعمد أن يتأخر عن الموعد المُقرر، وعندما ذهب إلى الأمير ليُسلِّم عليه، استفسر منه عن سبب تأخُّره، فأجابه: «كان ملك تشي قد أرسل رسولًا ليخطب أختي زوجةً له، فسهرتُ مع رسول جلالته أسامره ، وفاتني الوقت وتأخرت عن العودة حسب الميعاد.» فسأله تشون شن: «وهل تمَّت إجراءات الزواج؟» ولما رد عليه بالنفي، عاد الأمير يسأله: «وهل لي أن أقابل أختك؟» فأجابه الرجل بأن هذا ممكن جدًّا وبكل سرور، وهكذا سارع ليوان إلى تقديم أخته إلى الأمير تشون شن ليتم التعارف بينهما، وتوثقت الصلة بين ليوان والأمير، ووجد حظوةً لديه، وكان أن عرف ليوان (فيما بعد) بأن أخته قد صارت حُبلى، فذهب إليها واتفق وإيَّاها على تدبير خطة ماكرة.
وانتهزت المرأة التي هي أخت «ليوان»، فرصة القرب من تشون شن وراحت تنصح له قائلة: «أرى أن جلالة الملك يحترمك ويُحبك كثيرًا، ويضعك في مكانة يكاد لا يبلغها أي واحدٍ من إخوتك، وها أنت قد بقيت في منصب رئيس وزراء جلالته مدة تزيد عن عشرين عامًا، لكنك عندما تدقق النظر في بعض الأمور المهمة، تجد أن المشكلة تكمن حقًّا، في أن هذا العرش العظيم ليس له وريث من صلب الملك، فإذا ما توفي جلالته، فسيتولى الحكم أحد إخوته، ومعنى هذا أن إخوة الملك باعتلائهم منصة الحكم الملكي سيعملون على اتخاذ أقاربهم وتابعيهم في المناصب الكبرى، فمن يضمن حينئذٍ أن تبقى موضع حُب واحترام الجميع، في ظل تلك الظروف المُستجدة، ولأطول فترة ممكنة؟ هذا من جانب، أما من جانب آخر، فلربما يتذكر لك أولئك الإخوة وقد اعتلوا سدة العرش، ما كنت قد أغضبتهم به من تصرُّف غير لائق أثناء وجودك في المنصب طوال المدة الماضية، التي كنتَ فيها مسئولًا حكوميًّا بارزًا عظيم المكانة، بل من المؤكد تمامًا أنه إذا آل الحكم الملكي إلى أحد إخوة جلالته، فلن تلقى إلا المصائب تترى عليك من كل ناحية، فكيف ستتمكن، وقتئذٍ، من الحفاظ على مكانتك، أو حتى الاحتفاظ بإقطاعاتك الكثيرة بأرض جيانتون [منطقة جنوب نهر اليانغتسي حيث بلغت بها جملة إقطاعات الأمير المذكورة نحو اثنتي عشرة محلة]؟ وقد تأكدت الآن من أني أحمل جنينًا في أحشائي، وهو أمر لا يعرفه أحد غيرنا أنا وأنت، ولمَّا يمضِ وقتٌ طويل على ما خصصتني به من حُب واهتمام، وأرى أنك إذا قدَّمتني إلى جلالة الملك، أو ذكرتني عنده، فلا بد أني سأحظى بتفضيله لي عمن سواي، وذلك طبعًا بفضل مكانتك الأثيرة لديه وكلمتك المسموعة عنده، وإذا تفضلت عليَّ السماء وقدَّرت لي أن أُنجب مولودًا ذكرًا، فسيكون ولدك هو الذي يصير فيما بعد حاكم دولة تشين (بجلال قدره وقدرها)، ويُصبح البلد كله خاضعًا لهيبتك ونفوذك أنت وأولادك، ألستَ ترى معي بأن مثل هذا المصير أفضل كثيرًا مما قد يجرُّه عليك تربُّص إخوة الملك بك وبُغضهم إياك لو صار الأمر بأيديهم؟»
واقتنع تشون شن بكلامها واعتقد أن قولها هو الرأي الصائب بكل تأكيد، وهكذا فقد أمر بأن يتم إعداد مسكنٍ ملائم لإقامة المرأة أخت ليوان بحيث تنتقل للسُّكنى به على وجه السرعة، وقام من جانبه بالتحدث مع الملك (بشأن الزواج منها) فاستدعاها جلالته إلى قصره، ودخل بها مخدعه، فبات وإياها على فراشٍ واحد، وكان أن وضعت مولودًا ذكرًا تم إعداده ليكون وريثًا للعرش، وأصدر الملك قرارًا يقضي بأن تكون أخت ليوان زوجة ملكية (جلالة الملكة) كما تفضل جلالته على ليوان بتعيينه في أرقى منصبٍ رسمي، فصار متنفذًا ذا شأن في أروقة البلاط الإمبراطوري.
وهكذا، فقد تحقق للمدعو ليوان الكثير مما أراد؛ إذ صارت أخته ملكة على البلاد، وبذلك فقد ضمن أن يكون وليدها وريث العرش الملكي؛ وعلى الرغم من هذا، ظلت الهموم تساوره خشية أن يفتح الأمير تشون شن فمه، ويفشي كل الأسرار، فيتوطَّد مركزه وتنعقد له المهابة فيتيه فخرًا، أو يستبد طغيانًا واقتدارًا، ومن ثم فقد راح يفكر في قتله، تصفية لوجوده، فينغلق فمه إلى الأبد. وتسرب شيء من هذا الخاطر إلى أجواء العلن وذاعت النوايا بين كثيرين (وأصبح معلومًا أن ليوان يدبر مكيدة ما للتخلُّص من تشون شن!).
واشتد المرض على الملك، وبات طريح الفراش، وقام تشون شن بإدارة شئون القصر وكان قد ظل يعمل رئيسًا لوزراء جلالته مدة خمسة وعشرين عامًا، وهنالك تحدث إليه تابعه الأمين «جويين» [من مواطني جاو، وهو من أخلص أتباع الأمير تشون شن] قائلًا: «إن المصادفات تحمل في طياتها الحظ السعيد مثلما تحمل الكثير من نُذُر الشؤم بل الأنكد من ذلك أنك تعيش وسط أناس يتحركون كيفما سارت بهم الأهواء التي يصعب التكهُّن باتجاهاتها، وتبذل جهدك في خدمة ملك مريض لا تعرف ما تُخبئه له المقادير، ولئن كنت أعجب لشيء، فإنما أعجب لك إذ تُواجِه كل تلك الأحوال الغريبة وحدك، دون أن تُكلف نفسك عناء البحث عن رجلٍ تدخره لك الأقدار!» فسأله تشون شن دهشًا: «فماذا تقصد أولًا بمصادفات الحظ السعيد؟» فأجابه جويين قائلًا: «قد مضى عليك خمسٌ وعشرون سنة وأنت رئيس لوزراء تشو، وعلى الرغم من قيامك على شئون منصبك الرفيع كمسئول حكومي عالي المستوى إلا أنك كنت في الواقع تدير شئون البلاد باعتبارك الملك الحقيقي، وكان أبناؤك الخمسة يعملون كمعاونين لأمراء الدويلات، ويبدو الآن أن الملك، وقد اشتد عليه المرض، لن يُعمِّر طويلًا، فلا بد أنه سيقضي نحبَه في غضون أيام قليلة، والأمير وريث العرش ما زال صغيرًا وستتولَّى أنت الوصاية عليه، ومن ثم فستئول إليك مقاليد الحكم باسم الأمير الناشئ ونيابة عنه، تمامًا مثلما حدث في حالة كلٍّ من «أيين»، والملك «جوكون»، حيث يظل الصغير تحت وصايتك، ولا تُعيد إليه مقاليد السلطة إلا بعد وصوله سن البلوغ، ويبقى هناك احتمال آخر وهو أن تستأثر وحدك بالسلطة وتعلن نفسك ملكًا على البلاد، وتبسط نفوذك بالكامل فوق دولة تشو … ذلك هو ما قصدت إليه من قولي لك بأن المصادفات تأتي أحيانًا بمفاجآت الحظ السعيد.» فسأله الأمير: «فما هي إذن المصادفات التي تحمل نُذُر الشؤم؟» فأجابه جويين: «أنت تعرف أن ليوان ليست له أية صلة بشئون الإدارة السياسية للبلاد في مجلس الوزراء، وإنما هو فقط مجرد خال السيد الصغير (الأمير الوريث) فهو شقيق والدة ذلك الطفل الملكي، ليس أكثر من ذلك، فهو مثلًا لا يملك القدرة على قيادة الجيش وتوجيه القادة الكبار، ثم إنه متورط في تدبير خطط سرية بالاتفاق مع عدد من الانتحاريين، ولا بد أنه سيسارع إلى التمركز داخل القصر، إذا ما توفي الملك ليشرع في تنفيذ خُططه متذرعًا بأنه يتصرف طبقًا لأوامر شفوية من الملك، مستهدفًا القضاء عليك بتصفيتك جسديًّا (حرفيًّا: بإغلاق فمك وإبادة لسانك) فذلك هو ما أشرتُ إليه باعتباره نذير الشؤم الذي تومئ إليه المقادير.» فسأله الأمير: «فمن الرجل الذي تُخبئه الأقدار؟» فأجابه: «عليك أولًا أن تأمر بتعييني في منصب «لانجون» [رئيس الشئون الداخلية (بالقصر الملكي)] حتى إذا مات الملك فجأة، وحاول ليوان أن يسارع بدخول القصر (لتنفيذ تدابيره السرية) قمتُ إليه وطعنته في قلبه ودققت عنقه؛ فهو ذا أنا الرجل الذي تُخبئه لك المقادير.» فزجره الأمير تشون شن، قائلًا: «دع عنك هذه الأفكار، ولا تعُد إلى الحديث في تلك الأمور نهائيًّا، فإنما ليوان رجل ضعيف، لا حول له ولا قوة، ثم إنني أُعامله بكل الخير، ولي عليه أيادٍ كثيرة، فكيف يمكن للأمور بيننا أن تصل إلى هذا الحد؟»
واستشعر جويين الخوف، وداخَلَه إحساس بعدم الأمان، فقام وهرب خفية خارج دولة تشو.
ولم تكد تمر سبعة عشر يومًا بالتمام، حتى مات الملك «كاولي»، وكان أن هرع ليوان إلى القصر الملكي (لما بلغه الخبر) واتصل بأفراد الفرقة الانتحارية وأعد لهم مخابئ یكمنون بها داخل القصر، وما إن دخل الأمير الأعظم تشون شن من الباب الكبير، حتى وقع في قبضة المتآمرين عليه، فاعتقلوه، ثم وثبوا عليه وفتكوا به فقطعوا رأسه وألقوا بجثته خارج القصر وهي بغير رأس، وفي تلك الأثناء كان ليوان قد أمر المسئولين بإبادة عائلة تشون شن من الوجود، فأنزلوا في كل أفرادها القتل وأثخنوا فيهم الجراح حتى فنوا عن آخرهم.
وكان مبتدأ الأمر كله أن أخت ليوان قد حملت من الأمير تشون شن، ثم دخلت القصر الملكي (زوجة للملك الحاكم) ووضعت طفلها، وصارت ملكة [تتصرف في الواقع باعتبارها ملكة] من وراء ستار.
وفي تلك السنة نفسها، كان قد مضى على حكم الإمبراطور (الأشهر) تشين شيهوان [أول إمبراطور حكم الصين كلها تحت عرش واحد] تسع سنوات، (وللغرابة) فقد كان الخصيُّ المدعو «لاواي» [أشهر خصيان القصر بدولة تشين، كان «ليوبوي» قد أهداه للملكة الأم، فراح يحيك الدسائس مع الزوجة الملكية ويقود العصيان، فلمَّا اكتشفت مؤامراته أُعدِم، وأُبيدت أسرته عن آخرها [يشار لذلك في الصينية ﺑ «الأفرع العائلية الثلاثة»: أقارب الأم، الأب الأصهار [وتم إقصاء ليوبوي عن منصبه الرسمي نهائيًّا].