تحدث أحد ضيوف (البلاط الملكي) إلى الأمير تشون شن [أحد أشهر أربعة نبلاء في زمن الدول المُتحاربة، تولَّى رئاسة وزراء دولة تشو] في محاولة لإقناعه بأحد الخُطط السياسية، قائلًا: «اعلم أنه ما كان للإمبراطور طانغ (آل تشانغ) أن يؤسس عرشه الإمبراطوري إلا مُستندًا إلى حاضرة الدولة «بوجين»، وما كان للملك أو (حاكم جو) أن ينجح في تأسيس قواعد حكم راسخ ومزدهر إلا بحُسن استغلاله لمزايا عاصمة البلاد «هاوجين»، وعلى الرغم من أن مساحة كلٍّ من المدينتَين لم تزد عن مائة «لي» مربع، إلا أنهما صارتا حاضرتَين لعروشٍ بسطت نفوذها فوق الممالك بأسرها، وإني لأنظر اليوم في الحوادث فأراك قد أنعمت على «شيون تسي» بإقطاع ذي شأن، تبلغ مساحته مائة لي مربع، وهو ما يمكن أن يُضفي المزيد من النفوذ والمهابة على رجلٍ يتميز أصلًا بالنبوغ والنجابة، ولئن سألتني الرأي؛ فسأُجيبك بأن مثل هذا التصرُّف ليس في مصلحتك، فأنت وذاك، والرأي رأيك.» واستحسن الأمير كلامه وأرسل إلى شيون تسي من صرفه عن منصبه في أدبٍ وهدوء، فغادر الرجل دولة تشو ولجأ إلى دولة جاو حيث جرى تعيينه في منصب وزير عظيم بالبلاط الحاكم. وهنالك أسرع الضيف النازل على بلاط تشو إلى مقابلة الأمير تشون شون، وقال له: «يذكر في الحوادث الماضية أن «آبين» [أحد حكماء العصر القديم تولَّى رئاسة وزراء الملك طانغ في أسرة شانغ] كان قد ترك دولة شيا مغادرًا إلى دولة يين، حيث تمكن حاكم هذه الأخيرة (بفضل مساعدة وذكاء ضيفه الجديد) أن يؤسس إمبراطوريةً كبرى حازت السيادة فوق الممالك، بل قد أخضعت تحت سيطرتها دولة شيا، التي تضعضعت أركانها وسقط ذكرها آخر المطاف، (وكذلك رحل كوانجون عن دولة «لو» ذاهبًا إلى دولة تشي، حيث عظمت مكانة هذه الأخيرة.) وتدهورت أحوال «لو» حتى زالت هيبتها وضاع كيانها؛ ذلك أنه ما من بلدة يحل بها رجل حكيم إلا أحرزت الازدهار والرفعة، ونال حاكمها السيادة والنفوذ، وقد كان لك في «شيون تسي» خير مثال للرجل النجيب الذكي ذي الحكمة والعقل الراجح، فما الذي دعاك إلى التخلي عنه؟» واستصوب الأمير تشون شن رأي محدثه، وأرسل إلى شيون تسي، وهو في دولة جاو، من يُبلغه بدعوة الملك إياه للعودة إلى البلاد.
وتناول شيون تسي ورقة وكتب خطاب اعتذار جاء فيه: «… «هناك مقولة مفادها … أن أعجب العجب هو أن تجد الرجل المُصاب بالجذام والبرص يبكي حر البكاء على الملك الذي غدر به أعوانه.» وعلى الرغم مما في هذا القول من إساءة للأدب والذوق السليم إلا أنه لا ينبغي أن تغفل عن تأمُّل دلالاته العميقة؛ لأنه يستهدف الإشارة إلى حال الملك، الذي تتربص به حبائل الغدر والخيانة، خصوصًا عندما يكون صغير السن، حديث العهد بالملك، شديد الثقة بنفسه مع قلة التمرُّس بفنون الحكم ودقائق السياسة، غير قادر على إدراك بوادر الفتن والمؤامرات وهي بعدُ في منبت جذورها، فحينئذٍ يعمد كبار الوزراء إلى التخلُّص من الملك العجوز، وتنصيب الأمير الصغير مكانه، بل قد يزيحون من طريقه أكبر أبناء الملك (من زيجاته الملكية) ليثبتوا أقدام أبعد الناس عن الرحمة والعدل؛ بغية تحقيق أطماعهم والاستبداد بما في أيديهم من المناصب، خلاصًا لرقابهم من الفتك والتنكيل.
وقد ورد في كتاب «الربيع والخريف» [مدونات تاريخية] تحذيرًا في هذا الشأن، جاء فيه …«إن رجال الدولة في بلاط تشو الحاكم، قد أوفدوا الأمير في زيارة إلى دولة «جنغ» وقبيل مغادرة الأمير حدود البلاد في مستهل تلك الزيارة الرسمية، بلغه نبأ اشتداد المرض على أبيه جلالة الملك، حاكم البلاد، فألغى إجراءات السفر وعاد على الفور للاطمئنان على صحة الملك المريض، ثم إنه مال عليه وهو راقد وخنقه بشراريب قُبعته حتى أزهق روحه، وجلس مكانه على العرش. (وفي نموذج آخر يُثبت مصداق قولي لك. فإن …) الوزير المشهور تسويجو [الوزير المقرب من الملك هواي حاكم تشي، كانت له كلمة نافذة في شئون الحكم] كانت له زوجة بارعة الجمال ونشأت علاقة سرية بينها وبين النبيل جوانكون مما استدعى من الوزير تشويجو أن يجمع أنصاره لمحاربته، فعرض عليه جوانكون أن يقتسم معه ما يملكه من أراضٍ فرفض، فأبدى الرجل رغبته في الانتحار داخل جدران المعبد (خلاصًا مما يُعانيه من مطاردته له) فرفض أيضًا، فعزم على الفرار خارج البلاد، وبينما هو يقفز فوق أسوار الحدود رماه تشويجو بسهمٍ اخترق ساقه، ثم وثب على عرش البلاد. ثم إننا إذا تأملنا الأحداث القريبة طالعتنا الوقائع التالية: في دولة جاو — مثلًا — نجد أن «لي توي» القائم على مسئوليات الحكم، هو نفسه الذي قام بنفي الملك السابق إلى منطقة «شان تشيو» [التلال الجبلية] وتركه هناك حتى هلك جوعًا بعد مائة يوم؛ (وكذلك فعل) ناوتشي، قام بانتزاع (الخيوط العصبية من جسد) الملك «مين» ثم علَّقه في العوارض الخشبية المُتقاطعة في سقف المعبد، وتركه حتى مات قبل طلوع فجر اليوم التالي. ولقد ظننتُ أننا إذا قارنَّا بين المعاناة التي يجدها المريض بالجذام (المريض الذي يولد مصابًا بتلك العاهة) طوال حياته وبين مقاساة الملوك الأقدمين المقتولين غدرًا وغيلة، لما وصلت إلى حدِّ الألم الناتج عن «خنق الرقاب بالأشرطة أو رمي السيقان بالسهام»، وإذا عقدنا المقارنة بين مبلغ معاناة مرضى البرص الجلدي وبين ما تعرض له ملوك الزمن القريب من فظائع، لما وصلت في بشاعتها إلى درجة … «انتزاع خيوط الأعصاب أو التجويع حتى الموت»، بل إني لعلَى اقتناع بأن ما كان يلقاه الملوك من ضحايا الغدر والخيانة عند موتهم، من ألوان البؤس والألم النفسي والبدني ليكاد يبلغ درجة المأساة التي يُعانيها مرضى الجذام طول عمرهم، فمن ثم، نستطيع أن نفهم ونصدق ما قد يُقال من تعاطف هؤلاء مع الملوك المُعذبين حتى الموت.»
ثم إن شيون تسي كتب «رباعية» شعرية، نصها كما يلي:
«من لي بمن يعرف قيمة الجواهر،
أو يعرف كيف يزين صدره بالنياشين؟
من لي بمن يُدرك جمال الألوان المُطرزة،
والملابس الحريرية؟
من لي بمن يعرف التمييز والتقدير والتثمين؟
دارت الفتاة الحلوة في الطرقات،
ولم تجد زوجًا يطلب يدَها؛
والمرأة الدميمة «موامو» عرفت كيف
توقع في غرامها الملك هواندي،
تربَّعت في قلبه وارتسمت حلوةً في عينيه.
الأعمى يُقال له ذو العيون النواظر،
والأصم يُدعى رهيف الأذنَين،
والخير هو الشر الداهم،
والخطأ هو الصواب الذي تراه رأي العين.
رُحماكِ أيتها السماء،
متى تتجلى الحقائق للبصائر؟»
وقد جاء في كتاب الشعر القديم، ما نصه:
«إن يدَ القدرة السماوية،
أقدر (أعظم) من أن تستثير مكامن
الشر الداهم في خفاء القضاء والقدر.»