الحمل على اللفظ ثم على المعنى
يجوز الحمل على اللفظ وعلى المعنى في كل ماله لفظ يخالف معناه كالأسماء الموصولة وبعض ألفاظ التوكيد وأسماء الجموع والجنس وجمع التكسير وغير ذلك. واذا اجتمع الحملان بدئ بالحمل على اللفظ ثم على المعنى وهذا هو الكثير في كلام العرب والمتفق عليه بين النحويين، فلم يختلفوا فيه كما اختلفوا في غيره. وقد ورد في القرآن كثيراً إذ بلغت مواضعه اثنين وعشرين ومئة موضع(1).
قال ابن عصفور: ((فإذا حملت على اللفظ وعلى المعنى في كلام واحد فال احسن ان تقدم الحمل على اللفظ ثم تحمل بعد ذلك على المعنى))(2) وهو عند أبي حيان الأفصح(3) والاصح (4) والأسلوب الذي أتبعه القرآن الكريم(5) وقال السيوطي: ((والاحسن البداءة بالحمل على اللفظ)) (6) وعللوا ذلك بأن اللفظ هو المشاهد المنظور اليه، وأن المعنى مخفي راجع الى مراد المتكلم، وأن اللفظ متقدم على المعنى، فلو عكس الأمر لحصل الابهام بعد التبيين(7) ولوضوح هذا النوع من الحمل وكثرة الشواهد عليه لا موجب لضرب الامثلة هنا؛ لأنها ستأتي في مواضعها.
اجتماع الحمل على اللفظ وعلى المعنى في جملة واحدة:
جاء الحمل على اللفظ وعلى المعنى في جملة واحدة هي صلة الموصول في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}[البقرة : 111] إذ حمل أولاً على لفظ (من) فأفرد الضمير فــــي (كان) الذي هو اسمها، ثم حمل على المعنى فجمع خبر (كان) فقال: {هُودًا أَوْ نَصَرَى}(8).
ومن ذلك قراءة الحسن(9): (صالُ الجحيم) في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ}[الصافات: 163] على أن يكون (صال) جمع مذكر سالما حذفت واوه لالتقاء الساكنين، فيكون المبتدأ هو مفرداً على لفظ (مَنْ) والخبر (صالو) جمعاً على معنى (مَنْ)(10).
وقد ردّ ابو حيان(11) ما ذكره ابن عصفور من أن السماع لم يرد الا بالفصل بين الجملتين عند اجتماع الحملين كما ذهب إليه الكوفيون مستشهدا بالآية السابقة {إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}.
والذي نراه أنّ ردّ ابي حيان على ابن عصفور واستشهاده بالآية غير صحيح؛ ذلك أنّ الآية اجتمع فيها حملان في جملة واحدة هـ جملة واحدة هي {مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. أما الذي منعه الكوفيون فهو اجتماع حملين في جسمين وتقدم الحمل على المعنى على الحمل على اللفظ بغير فاصل، وهذا واضح من كلام ابن عصفور الذي نقله الزركشي عنه وهو : ((شرط) الكوفيون في جواز اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى الفصل، فيجوزون مَنْ يقومون اليوم، وينظرُ في أمرنا إخوتنا ولا يجوزون من يقومون وينظر في امرنا إخوتنا ؛ لعدم الفصل، وإنما ورد السماع بالفصل))(12).
وذكر ابو حيان (13) هذا الرأي الذي قاله الكوفيون. وقد منع ابن السراج الجمع بين الجملتين في جملة واحدة فقال: ((فإذا وجدت اسم كان لم يجز ان يكون خبرها إلا واحداً، فإذا قلت من كانوا، قلت قياماً، ويقومون، ولا يجوز من كان يقومون إخوتك))(14).
ورد الزركشي على ابن السراج ومن تابعه مستدلاً بالآية السابقة، قال: ((وقالوا: لا يجوز ان يحمل الاسم والخبر معاً على اللفظ فيقال: إلا من كان عاقلاً أو يحملا معاً على المعنى فيقال إلا من كانوا عاقلين)) (15).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر : دراسات لأسلوب القرآن الكريم 297/3 - 310
(2) شرح جمل الزجاجي 189/1
(3) ينظر: البحر المحيط 352/1.
(4) ينظر : البحر المحيط 151/2.
(5) ينظر : البحر المحيط 55/1.
(6) همع الهوامع 300/1
(7) ينظر: الاشباه والنظائر 189/1.
(8) ينظر: البحر المحيط 35/1.
(9) ينظر: مختصر في شواذ القراءات/ 128، والمحتسب 228/2.
(10) ينظر: المحتسب ،228/2 ، والبحر المحيط 379/7
(11) ينظر : البحر المحيط 55/1.
(12) البرهان في علوم القرآن 384/3
(13) ينظر : البحر المحيط 242/1
(14) الاصول في النحو 378/2
(15) البرهان في علوم القرآن 414/4. في هذا النص اختلال، ولعل الصواب هو: لا يجوز ان يحمل الاسم والخبر معاً [إلا] على اللفظ ...... أو يحملا معـــاً [إلا] علـــى
المعنى.