الحمل على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ:
ذهب ابن خالويه (1) إلى أنّه ليس في كلام العرب ولا في شيء من العربية ما رجع من معناه الى لفظه الا هذه الآية {وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحَا يُدْخِلْهُ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنهْارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا}[الطلاق: 11] وليس ما ذهب اليه بصحيح؛ لأن هناك آيات أخر سيأتي ذكرها. أما أبو زرعة فأضاف أية أخرى هي قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمُ عَلَى أَزْوَاجِنَا}[الانعام: 139] وقال: ((فهو حرف ثان وهو حسن))(2).
وهذه الآية مما قيل: إن فيها حملاً على المعنى ثم على اللفظ (3) وليس قولهم بصحيح بل هي مما حمل فيه على اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ والآية الأولى من شواهد النحويين(4)، ولكنَّ ابن عصفور اعترض على ذلك بقوله: ((لأن (خالدين) حال من الضمير في ( يدخله) على معناه؛ لأنه في المعنى جمع والضمير في (له) عائد على (مَنْ) على لفظه، وإنما يكون فيه حجة لو كان (خالدين) حالاً من نفس (من) ))(5) ولسنا مع ابن عصفور، فسواء أكان (خالدين) حالا من ضمير ( يدخله) ـ وهو الصحيح - أم من غيره، فإنه محمول على معنى (من). أما أن يكون (خالدين) حالاً من (جنات) - كما ذكر السمين الحلبي(6) ـــ فغير جائز.
وأجاز ابن مالك هذا الحمل فقال : ((ويُعتبر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيراً وقد يعتبر اللفظ بعد ذلك))(7) واستشهد بالآية السابقة وبقول الشاعر:
لستُ ممَن يكعُ أو يستكينون إذا كافحته خيلُ الأعادي(8)
وقال السيوطي: ((وإذا اعتبر اللفظ ثم المعنى جاز العود الى اعتبار اللفظ بقلة))(9) ومن الآيات التي استشهد بها النحويون(10) قوله تعالى: {ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَتَّخِذَهَا هُزُواً أَوْ لَيْكَ هَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ايَتُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا}[لقمان: 6-7] وليس صحيحاً ما ذكره أبو حيان(11) من أنّه لم يأت في القرآن غير آيتين، هما هذه الآية وآية سورة الطلاق السابق ذكرها.
وهو نفسه ذكر آيات أخر منها قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتنا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}[البقرة: 200] قال عن هذه الآية ((وجمع في قوله يَقُولُ {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيا} ولو جرى على لفظ (مَنْ) لكان: ربّ آتني)) (12). ومنها قوله تعالى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفُ مرْتَابُ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَنٍ أَتَنهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا}[غافر: 34-35] قال ابو حيان: ((أعيدَ أولاً على لفظ مَن في قوله {مَنْ هُوَ مُسْرِفُ مُرْتَابُ}ثم جمع الَّذِينَ يُجَدِلُونَ على معنى (مَنْ) ثم أفرد في قوله {كَبُرَ} على لفظ (مَن) ))(13).
ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقيض لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنهُم مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يا ليت بينِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينَ}[الزخرف: 36-38] قال يلَيْتَ أبو حيان ((أعاد أولاً على اللفظ ثم جمع على المعنى ثــم أفــرد علـى اللفظ))(14).
ومن الآيات الأخرى قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}[الزخرف : 12 - 13] وهذه الآية حُمِلَ فيها على اللفظ في {تَرْكَبُونَ} وعلى المعنى واللفظ في {ظهوره} إذا اجتمع الحملان في كلمة واحدة (15).
ومن ذلك قراءة ابن كثر ، ونافع، وأبي عمرو (16) (كان سيئةً) في قوله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيْئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهَا}[الإسراء: 38] فقد حُمِلَ على لفظ (كل) في (كان) فأفرد اسمها، وعلى المعنى في خبرها فأُنثَ (سيئة) وعلى اللفظ في (مكروها)(17).
المانعون لهذا النوع من الحمل:
قال ابن جني: ((لو انصرف عن اللفظ الى المعنى لم يحسن العود من بعد الى (اللفظ))(18) ونسب إليه الزركشي أنه قال: ((لا يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه الى المعنى))(19) ورد أبو حيان (20) والزركشي(21) على ابن جني هذا الرأي. وذكر أبو حيان أن ابن عطية من المانعين لهذا النوع من الحمل، وقد ردّ عليه قائلاً: ودعوى ابن عطية أنه إذا حُملَ على اللفظ ثم على المعنى، فلا يجوز أن يعود الى اللفظ باطلة))(22) وقد سبق أن مر بنا أن الذي منعه ابن عطية هو الحمل على المعنى ثم علــى اللفظ. ونسب الأعلم الشنتمري(23) الى بعض الكوفيين أنه اذا حمل على المعنى لم يجز ان يُردَّ الى اللفظ، وإذا حمل على اللفظ جاز أن يُحمل على
المعنى، ثم ردّ قولهم مستشهداً بالآية {وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلَ صَالِحًا}[الطلاق: 11].
وذكر ابن يعيش(24) مثل ذلك ايضاً وردّ عليهم بالآية نفسها. وقد ردّ أبو البركات الانباري (25) بهذه الآية على من زعم أنه لا يحسن الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى، كما جاءت الآية عند السيوطي(26) شاهداً للرد على من ذهب من النحويين الى أنه لا يجوز الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى.
إن ما ذكره هؤلاء النحويين يُشعر - أول وهلة - أن المقصود بذلك هو الحمل على المعنى ابتداء ثم الحمل على اللفظ، ولكن هذا غير صحيح، إذ المقصود هو الحمل على اللفظ ثم على المعنى ثم الرجوع الى اللفظ، وهذا واضح من استشهادهم بالآية، وليس من المعقول ان يغفل النحويون عن هذا الامر. أما قول الاستاذ محمد عبد الخالق عظيمة عن هذا النوع من الحمل: ((ولم يمنع أحدٌ ذلك))(27) فغير دقيق لما مر بنا من عدم إجازة بعضهم له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر : ليس في كلام العرب 1.
(2) حجة القراءات / 274.
(3) ينظر : معاني القرآن وإعرابه 2/ 324 ، والحجة في القراءات السبع /127، والكشاف 2 71 ، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/343.
(4) ينظر : النكت في تفسير كتاب سيبويه 502/2، و البيان في غريب اعراب القرآن 1/ 344 و شرح التسهيل لابن مالك 240 ، وشرح الكافية 2/ 56، والبحر المحيط 7 / 184 .
(5) شرح جمل الزجاجي 1/ 190
(6) ينظر : الدر المصون 4 / ورقة / 187 .
(7) تسهيل الفوائد 36 .
(8) شرح التسهيل لابن مالك 241 .
(9) همع الهوامع 301/1
(10) ينظر : شرح التسهيل للمرادي / 232، والبحر المحيط 184/7. وتعليق الفرائد/ ورقة 106.
(11) ينظر : البحر المحيط 184/7.
(12) البحر المحيط 105/2.
(13) البحر المحيط 464/7 ، وينظر الكشاف 166/4 .
(14) البحر المحيط 16/8.
(15) ينظر: معاني القرآن للفراء 28/3 ، وجامع البيان 53/25، والبحر المحيط 232/4 ، و 7/8 .
(16) ينظر: معاني القرآن للفراء ،124/2 و السبعة في القراءات / 380
(17) ينظر: البحر المحيط 38/6.
(18) المحتسب 173/1.
(19) البرهان في علوم القرآن 385/3.
(20) ينظر: البحر المحيط 73/3
(21) ينظر: البرهان في علوم القرآن 385/3
(22) النهر الماد من البحر المحيط 242/1.
(23) ينظر: النكت في تفسير كتاب سيبويه 502/2.
(24) ينظر شرح المفصل 14/4
(25) ينظر: البيان في غريب اعراب القرآن 343/1-344.
(26) ينظر: معترك الأقران في اعجاز القرآن 583/3
(27) دراسات لأسلوب القرآن الكريم 293/3.