

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
دور الإدارة الضريبية في الفحص والتحقيق
المؤلف:
علي هاشم جواد نصر الله
المصدر:
التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق
الجزء والصفحة:
ص 83-92
2026-05-19
99
تلعب الإدارة الضريبية دورًا محوريًا في ضمان الالتزام الضريبي وتحقيق العدالة المالية، حيث تكلف بمهام الفحص والتدقيق على إقرارات المكلفين والبيانات المالية المقدمة، ويهدف هذا الدور إلى التحقق من صحة البيانات الكشف عن الأخطاء أو التهرب وضمان أن الضرائب المحصلة تتوافق مع القانون. ويشمل التدقيق الضريبي دراسة المستندات والسجلات المحاسبية، وإجراء المقابلات والفحوص الميدانية عند الحاجة، مع مراعاة سرية المعلومات وحماية حقوق المكلفين، وعلى هذا الاساس ارتأينا ان نتناول الموضوع في فرعين الفرع الأول حق الفحص والتحقق من صحة الاقرارات، بينما الفرع الثاني فرض الجزاءات عند الاخلال بالتقدير الذاتي.
الفرع الأول
حق الفحص والتحقق من صحة الاقرارات
يعد حق الإدارة الضريبية في الفحص إحدى الركائز الأساسية في مهام النظام الضريبي؛ إذ يمثل أداة الدولة للتحقق من صحة الإقرارات، وكشف التهرب، وضمان تحصيل الموارد العامة بعدالة. وفي الوقت ذاته يثير هذا الحق أسئلة دستورية وتشريعية بخصوص حدود تدخل الإدارة وضرورة احترام الضمانات الإجرائية والحقوق المكفولة للمكلف. ويهدف هذا الفرع إلى: (أ) عرض الإطار القانوني العراقي الذي يحدّد صلاحيات الفحص وسبل التحقق من صحة القرارات، (ب) مقارنة تلك الصلاحيات مع التجربتين المصرية والأردنية، و(ج) تقييم ضوابط التناسب والضمانات الإجرائية والقضائية المتاحة للمكلفين.
أولا: القانون العراقي وصلاحيات الفحص
يُستند في العراق إلى قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل، وإلى نظام مسك الدفاتر التجارية لأغراض ضريبة الدخل ( نظام رقم 2 لسنة )1985، فضلا عن تعليمات وإعمامات الهيئة العامة للضرائب. إذ تنص أحكام القانون والأنظمة على أن للإدارة الضريبية سلطة طلب الإقرارات والدفاتر والوثائق، وإجراء الفحص والتحقيق في مراكز الأعمال، وإعادة التقدير عند وجود نقص أو تلاعب في البيانات. " تُمسك وتُحفظ الدفاتر التجارية والمستندات والمراسلات التي تخص أعمال المكلف في محل عمله أو أي محل آخر في العراق مثبت لدى السلطة المالية" (1). هذه الصلاحيات تشمل أيضاً إلزام المكلف بتقديم مستندات مُكمّلة خلال مهل محددة، وإصدار قرارات تقديرية تستند إلى الأدلة المتوافرة أمام الإدارة عندما يعجز الفاحص عن الحصول على مستندات صريحة تبين الواقع الضريبي. ( للسلطة المالية ان تطلب من كان خاضعاً للضريبة أو تعتقد بخضوعه لها أن يقدم تقريراً عن دخله خلال 21 يوماً من تاریخ تبلیغه بذلك بإحدى طرق النشر سواء كان اسمه مسجل في دوائر ضريبة الدخل أو لم يكن تبحث عن مصادره في محل وجودها ولها أن تطلب المعلومات من أي شخص تعتقد أن ما يفيدها في تقدير الضريبة على أي من المكلفين) (2) ، وكذلك فقد تأخذ السلطة دورا في الفحص والتحقق عندما لا تثق بمصداقية المكلف ( السلطة المالية أن تتحرى وتتحقق عن دخل المكلف الحقيقي وتبحث عن مصادره في محل وجودها ولها أن تطلب المعلومات من أي شخص تعتقد بأن لديه ما يفيدها في تقدير الضريبة على أي من المكلفين) (3). وكذلك فأن نظام مسك الدفاتر التجارية رقم (2) لسنة 1985 ينظم آليات الاحتفاظ بالدفاتر والوصول إليها، ويقرر أن تُمسك الدفاتر في محل العمل "مثبتة لدى السلطة المالي" ويمنع إتلافها أو التصرف بها إلا بعد موافقة السلطة مع مدد حفظ مطلوبة وحق الإدارة في الاطلاع والإحالة للفحص.
بناءً على ذلك يُعد الحق في الاطلاع على السجلات والنسخ الأصلية أحد أهم أوجه صلاحية الفحص، كما أن النظام يمنح الإدارة سلطة مطالبة المكلف بجميع الوثائق المؤيدة لإقراره أو بيانات إضافية خلال مهلة محددة، وإمكانية تطبيق التقدير الحكمي عند الامتناع أو غياب المستندات من الناحية العملية تشترط الأنظمة العراقية أن يتم الفحص وفق إجراءات مكتوبة : إصدار قرار تحر أو إخطار بالمراجعة تحديد مدة الفحص، وإعطاء المكلف حق تقديم دفوعه ومستنداته، ومن ثم إصدار تقرير فحص أو قرار تقديري معلل. كما تنص الأحكام على أن للسلطة الحق في استدعاء أطراف ثالثة أو الاستعلام من جهات حكومية والاعتماد على أدلة بديلة عند فقدان المستندات للسلطة المالية أن تتحرى وتتحقق عن دخل المكلف الحقيقي وتبحث عن مصادره في محل وجودها ولها أن تطلب المعلومات من أي شخص تعتقد بأن لديه ما يفيدها في تقدير الضريبة على أي من المكلفين" (4).
مع امتداد صلاحيات الفحص تبرز الحدود الدستورية احترام مبادئ المشروعية، "لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين "(5). عدم المساس بالحقوق الدستورية كحرمة المسكن، ( حرمة المساكن مصونة ولا يجوز دخولها أو تفتيشها أو التعرض لها الا بقرار قضائي) (6). وضرورة التدرج في استخدام إجراءات الغلق أو الحجز. كما تُشكل متطلبات التعليل والتبليغ والتمكين إجراءات رقابية داخلية تقيّد التصرّف الإداري العشوائي" يجوز للسلطة المالية بأمر تحريري أن تفوض من يمثلها لزيارة محل أعمال المكلفين للاطلاع على طبيعة هذه الأعمال وفحص الدفاتر والسندات والمراسلات والاستفسار عن كل ما له علاقة بأعمال المكلف "(7). وتمنح المكلف أساليب التظلم والطعن أمام الجهات القضائية المختصة. وفي العراق تنظم هذه الضمانات عبر أحكام في القانون وأطر إجرائية داخل الهيئة العامة للضرائب تلزم بتوثيق أسباب الفحص ونتائجه للمكلف وبعد تبليغه بالدخل المقدر والضريبة المترتبة عليه ان يقدم اعتراضا الى السلطة المالية التي بلغته بالتقدير او أي دائرة أخرى) (8).
ثانياً: الفحص والتدقيق عند الادارة المصرية:
لقد أرسى قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم (206) لسنة 2020 قواعد مفصلة لصلاحيات المصلحة في طلب المستندات وإجراء الفحص والتحقق ( يجب على مأمورية الضراب المختصة اخطار الممول او المكلف بكتاب موصي عليهم اصحبا بعلم الوصول أو بأي وسيلة الكترونية لا حجة في الالتفاف قانونا او اية وسيلة كتابية تحقق بين العلم بالتاريخ المحدد للفحص ومكانه والمدة التقديرية للفحص قبل عشرة ايام على الأقل) (9) . ومن ذلك إلزام المكلف بتقديم البيانات وصور المستندات "خلال خمسة عشر يوما من تاريخ الطلب، مع إمكانية مد المهلة من رئيس المصلحة عند وجود مبررات. كما يبين القانون آليات استيفاء الأدلة، وحق المصلحة في طلب بيانات إضافية، وإجراءات نظر الاعتراضات إدارياً وقضائياً وإمكانية دخول موظفي الإدارة في التحقق من الكلفين في أماكن عملهم لموظفي السلطة المالية ومن لهم صفة الضبطية القضائية الحق في دخول مقر عمل المكلف ، ونستنتج من هذا أن تشريعات الضريبية المصرية، وبخاصة قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، تمنح الإدارة الضريبية صلاحيات واسعة في مجال الفحص والتدقيق لضمان تحصيل الضريبة المستحقة بشكل عادل وفعال. وفي حال تطلب الأمر إجراء الفحص خارج هذه الساعات، يُشترط الحصول على إذن كتابي من رئيس جهة العمل المعنية (10).
الفحص والتدقيق عند الإدارة الأردنية عد الفحص والتدقيق الضريبي من أهم الوسائل الرقابية التي تعتمد عليها الإدارة الضريبية في المملكة الأردنية الهاشمية للتحقق من صحة البيانات والإقرارات المقدمة من المكلفين. وقد نظم قانون ضريبة الدخل رقم (34) لسنة 2014 أحكام الفحص بشكل تفصيلي بما يضمن تحقيق التوازن بين صلاحيات الإدارة وحقوق المكلفين. إذ خول القانون دائرة ضريبة الدخل والمبيعات سلطة طلب المستندات والسجلات ومراجعتها، سواء في مقر المكلف أو في مقر الدائرة، للتحقق من صحة الدخل المصرح به وتحديد الضريبة المستحقة على وجه الدقة (11).
كما يتبين من القانون على التزام كل مكلف بالاحتفاظ بالدفاتر والمستندات المؤيدة لإقراراته لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وعلى أن للدائرة حق الاطلاع عليها وفحصها كلما اقتضت الحاجة. ويمتد هذا الحق ليشمل زيارة محل عمل المكلف بعد إصدار أمر تحريري بذلك من المدير العام أو من يفوضه قانوناً، ويجوز إجراء الفحص خلال ساعات الدوام الرسمي، أما بعد الدوام فيتطلب الأمر إذناً خاصاً (12). كما ويؤكد القانون الأردني على صلاحية موظفي التدقيق بالاطلاع على أي وثائق أو سجلات لها علاقة بالدخل، وعلى إلزام المكلف بالتعاون وتقديم البيانات الإضافية خلال المهلة المحددة قانوناً، وإلا جاز للدائرة إصدار التقدير الإداري. هذه الصلاحيات يقابلها في الوقت ذاته ضمانات للمكلف، أهمها حقه في الاعتراض والطعن خلال المدد المحددة بموجب القانون، ووجوب تعليل قرارات الفحص والتقدير كتابة، ضماناً لسلامة الإجراء وإمكانية الرقابة القضائية عليه (13) .
أما من حيث التعليمات التنفيذية، فقد صدرت تعليمات رقم (1) لسنة 2015 الخاصة بإجراءات فحص قرارات الضريبة، والتي بينت الخطوات العملية للفحص الميداني، وألزمت موظفي الدائرة بتنظيم محاضر التسلّم والتسليم عند استلام الدفاتر والسجلات، وكذلك الالتزام بمبدأ السرية في التعامل مع البيانات (14) كما حددت التعليمات مهلة عشرة أيام على الأقل لإخطار المكلف بموعد الفحص ومكانه والمدة التقديرية اللازمة له، بما يضمن تمكينه من إعداد المستندات اللازمة والتواجد أثناء الفحص. وتؤكد الأنظمة المكملة، مثل نظام الإقرارات والسجلات والوثائق ونسب الأرباح رقم (59) لسنة 2015، على ضرورة توثيق جميع البيانات المحاسبية وإتاحة الاطلاع عليها من قبل الإدارة وفق الإجراءات المحددة، وهو ما يضمن الاتساق بين القانون والتعليمات التنفيذية (15).
وأخيرا فأننا نرى تباين نظام الفحص والتدقيق الضريبي بين العراق ومصر والأردن من حيث نطاق السلطة والضمانات. ففي العراق يمنح القانون الإدارة سلطة واسعة للتحري دون تحديد دقيق للإجراءات أو المدد، مما يقلل من الضمانات الشكلية للمكلف. أما مصر فقد نظمت الفحص بإخطار مسبق وتعليل للقرارات وتقييد الدخول لمقرات العمل، مما يوازن بين حق الإدارة وحقوق المكلف. في حين اعتمد الأردن أنموذجاً وسطاً يجمع بين الفعالية والرقابة، فنص على تفويض مكتوب ومحاضر رسمية وإخطار مسبق، مما جعله أكثر التوازن تشريعاً. وبذلك، يُعد النظام الأردني الأقرب للمعايير الحديثة في العدالة والشفافية.
الفرع الثاني
فرض الجزاءات عند الاخلال بالتقدير الذاتي
يعد التقدير الذاتي للضريبة من أهم الآليات الحديثة في الإدارة الضريبية، حيث يمنح المشرّع المكلف صلاحية تحديد مقدار دخله وضريبته بنفسه مع الالتزام بتقديم الإقرار والوثائق المؤيدة لذلك ضمن المهل القانونية. ويُعدّ هذا النظام، وإن كان يقوم على مبدأ الثقة بالمكلف، قائمًا أيضا على رقابة لاحقة تمكّن الإدارة من فحص الإقرارات والتحقق من صحتها. ومن ثم، فإن الإخلال بواجبات التقدير الذاتي يستوجب جزاءات قانونية لضمان الامتثال ومنع التهرب.
أولا: الجزاءات وفق القانون العراقي
لقد نظم المشرع العراقي التزامات المكلف وحقوق الإدارة بموجب قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل، والذي اعتمد مبدأ الفحص والتحقق الإداري كأساس لتقدير الضريبة، دون تبن صريح لنظام التقدير الذاتي بالمفهوم الحديث، لكنه تضمن أحكامًا قريبة منه في إلزام المكلف بتقديم إقراره وحفظ الدفاتر وتقديم المستندات عند الطلب ( للسلطة المالية أن تتحرّى وتتحقق عن دخل المكلف الحقيقي، وتبحث عن مصادره في محل وجودها، ولها أن تطلب المعلومات من أي شخص تعتقد أن لديه ما يفيدها في تقدير الضريبة على أي من المكلفين) (16) ، وهذا النص يمثل الأساس القانوني لحق الإدارة في الفحص والتحقق، وهو ما يُعدّ جوهر الرقابة اللاحقة على التقدير الذاتي ، كما يوجب القانون على المكلف أن يحتفظ بالدفاتر التجارية والمستندات والمراسلات المتعلقة بأعماله في محل عمله أو أي مكان مثبت لدى السلطة المالية، ويتيح للموظفين المكلفين بالفحص الاطلاع عليها ( تمسك وتحفظ الدفاتر التجارية والمستندات والمراسلات التي تخص أعمال المكلف في محل عمله أو أي محل آخر في العراق مثبت لدى السلطة المالية) (17) . ويُفهم من ذلك أن الامتناع عن تقديم هذه المستندات أو عرقلة عمل الفاحص يُعد إخلالا بواجب قانوني يستتبع فرض جزاءات عقابية كالمالية والاجرائية والجنائية
1- الجزاءات المالية:
تفرض غرامات عن التأخير في تقديم الإقرار أو عدم تقديمه أصلا، أو عن تقديم بيانات غير صحيحة. كما نص في هذا القانون ما يلي (أولا: يعاقب بغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على خمسمائة دينار من يثبت عليه أمام المحاكم المختصة ارتكاب إحدى المخالفات التالية: من لم يقم بالواجبات المترتبة عليه وفق هذا القانون أو الأنظمة الصادرة بموجبه أو امتنع أو تأخر في تقديم بيانات أو معلومات إلى السلطة المالية كان يجب عليه تقديمها أو طلب منه تقديمها على وفق أحكام هذا القانون مع مراعاة أحكام الفقرة (2) من هذه المادة) (18) . وكذلك فقد الزم المشرع الضريبي للهيئة العامة للضرائب بان تضاعفت مبلغ الضريبة على الدخل في حال إخفاء المعلومات بيانها في والبيانات والاقرارات (على السلطة المالية أن تضاعف الضريبة على الدخل الذي كان موضوع الدعوى الوارد إحدى المادتين السابعة والخمسين والثامنة والخمسين بعد اكتساب الحكم الصادر فيها الدرجة القطعية) (19).
2- الجزاءات الإجرائية:
منح القانون الإدارة صلاحية التقدير الحكمي أو الجزافي عند امتناع المكلف عن تقديم الإقرار أو المستندات، أو عند رفض التعاون أثناء الفحص عد انقضاء المدة المعينة لتقديم التقارير وفق المادة السابعة والعشرين تنظر السلطة المالية في التقارير المقدمة لها ولها أن تقبلها وتقدر الضريبة بمقتضاها أو ترفضها وتقدر الضريبة على الدخل الذي تقرره مما يتيسر لها جمعة من المعلومات أما من لم يقدم تقريرا واعتقدت السلطة المالية بأنه يخضع للضريبة فلها أن تقدر دخله وتفرض الضريبة عليه ولا يرفع هذا التقدير المسؤولية عن المكلف بسبب عدم تقديمه التقرير في الوقت المعين (20). وتستند المصلحة في ذلك إلى المعلومات المتوافرة لديها. ويُعدّ هذا الإجراء من أخطر ،الجزاءات، لأنه يرفع يد المكلف عن المشاركة في تحديد دخله ويحول السلطة إلى تقدير إداري كامل (21).
3- الجزاءات الجنائية
نص القانون على إحالة حالات التهرب المتعمد أو التزوير إلى الجهات التحقيقية، وتُطبق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، بوصفها جرائم تمس المال العام. باعتبار ان أموال الضريبة هي أموال عامة وإن التحايل في تقديم بيانات مضللة للسلطة المالية يعتبر جريمة ولهذا نص المشرع العقابي على تجريمها ونص على عقابها ( وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس عشرة سنة إذا كان المال المسروق مملوكًا للدولة أو لإحدى الهيئات أو المؤسسات العامة) (22). وكذلك فان المشرع الضريبي أيضا نص على تجريمها ومعاقبتها ( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة من يثبت عليه أمام المحاكم المختصة ارتكاب أحد الأفعال الآتية من قدم عن علم بيانات أو معلومات كاذبة أو ضمنها في تقرير أو حساب أو بيان بشأن الضريبة أو أخفى معلومات كان يجب عليه بيانها قاصدا بذلك الحصول على خفض أو سماح أو تنزيل من مقدار ضريبة تفرض عليه أو على غيره أو استرداد مبلغ مما دفع عنها) (23).
كما تجد أن بعضا من النصوص لا تضع نسبًا دقيقة للغرامات أو للفوائد، مما يجعل التطبيق متباينا بين الدوائر. وقد أكدت الدراسات الضريبية الحديثة ضرورة تحديث هذه النصوص لتحديد إجراءات الفحص والجزاءات بشكل أكثر شفافية (24). ويرى بعض الباحثين أن النظام العراقي لا يحقق التوازن بين فعالية التحصيل وحماية حقوق المكلف، إذ تهيمن النزعة الإدارية على العمل الضريبي دون رقابة إجرائية كافية (25).
لذلك، تُعدّ التجربة العراقية بحاجة إلى تطوير تشريعي ينسجم مع مبادئ التقدير الذاتي المطبقة في النظم المقارنة. فمما لاحظناه أن في التطبيق العراقي وجود سعة في السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة، في مقابل ضعف الضمانات الشكلية
للمكلف، كوجوب التبليغ المسبق أو تحديد مدد الفحص ونرى أن نظام الجزاءات في التشريع العراقي، وفق قانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل ما زال يحتاج إلى إعادة تنظيم ليتناسب مع مبدأ التقدير الذاتي للضريبة. فالجزاءات المالية تؤدي وظيفة ردعية لكنها تفتقر إلى التدرج والوضوح، مما يفتح باب الاجتهاد الإداري الواسع. أما الجزاءات الإجرائية، كتقدير الضريبة جزافيًا عند الإخلال بالإقرار، فهي ضرورية لضمان التحصيل لكنها قد تُستغل دون رقابة كافية. في حين تبقى الجزاءات الجنائية محدودة التطبيق رغم أهميتها في ردع التهرب لذا أرى ضرورة إصلاح المنظومة بما يوازن بين حق الدولة في الجباية وضمانات المكلف القانونية.
ثانيا : الجزاءات وفق قوانين الدول المقارنة (مصر والأردن)
يعتمد نظام التقدير الذاتي للضريبة على ثقة المشرع بالمكلف في تقديم إقراره الضريبي بدقة وصدق، مقابل سلطة الإدارة الضريبية في متابعة مدى صحة هذا الإقرار وفرض الجزاءات عند الإخلال. وتشمل هذه الجزاءات ثلاثة أبعاد رئيسية مالية إجرائية، وجنائية، تختلف تفاصيلها بين الدولتين، مع وجود تشابه في المبادئ الأساسية.
1) نظام الجزاءات المصري
في مصر، فقد نظم قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 واللائحة التنفيذية جميع جوانب التقدير الذاتي والفحص والجزاءات المرتبطة به وتعد الغرامات المالية من أبرز أدوات الردع (تضاف إلى الضريبة المستحقة غرامة بنسبة 2% عن كل شهر تأخير في حالة عدم تقديم الإقرار الضريبي في المدة القانونية، وتضاعف الغرامة عند التكرار ) (26). ولم يكتف بذلك بل أضاف اليها فوق الغرامة فوائد عن تأخير التسديد ايضا بنسبة 1% عن كل شهر على الفروق الضريبية غير المسددة (27). إضافة إلى الجزاءات المالية، فهناك الجزاءات الإدارية، وهي الأكثر تأثيرًا في حالات عدم التعاون أو تقديم بيانات مضللة. ينص القانون على (للإدارة الحق في تقدير الضريبة تقديراً جزافياً عند امتناع المكلف عن تقديم الإقرار أو المستندات أو تقديم بيانات غير صحيحة) (28). ويتيح هذا التقدير الجزافي للإدارة استعادة الضرائب المستحقة حتى في حالة إخلال المكلف بالتزاماته، ولكنه يظل مقترنا بضمانات إجرائية مثل الإخطار المسبق وإتاحة مهلة للرد.
أما الجزاءات الجنائية، فتطبق على الحالات المتعمدة من الاحتيال أو التهرب أو التزوير، إذ جاء النص كما يلي يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، كل من قدم عمداً بيانات غير صحيحة أو إقرارات غير مطابقة للحقيقة بهدف التهرب من أداء الضريبة" (29). بعدها ضاعف العقوبة وضخمها للحبس يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة تعادل مثل الضريبة المستحقة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تهرب من أداء الضريبة بصورة عمدية" (30). إن هذه النصوص توضح حرص المشرع على حماية المال العام وضمان نزاهة النظام الضريبي، مع تحقيق التوازن بين الردع وحماية حقوق المكلف.
اما من الجانب العملي في مصر فيظهر أن هناك نسبية في التدرج بين الغرامات المالية، والفوائد، والتقدير الجزافي، والإحالة الجنائية، إضافة إلى إمكانية التسوية وتقليل الغرامات عند التعاون الطوعي من المكلف قبل انتهاء مهلة .الفحص. وقد وثقت الدراسات أن هذا التدرج يُسهم في زيادة معدلات الامتثال الطوعي ويحد من النزاعات القضائية الضريبية (31) كما أن التحليل القانوني يشير إلى أهمية المرونة في تطبيق الغرامات المالية والفوائد بما يتوافق مع قدرة المكلف على السداد وضرورة العدالة الإدارية (32).
2) نظام الجزاءات الأردني :-
يعتمد الأردن على قانون ضريبة الدخل رقم 34 لسنة 2014 والتعليمات التنفيذية المصاحبة، والتي تنظم التقدير الذاتي وتدرج الجزاءات بدقة. وتبدأ الإجراءات عادة بالإخطار والمهلة الزمنية للمكلف، قبل اللجوء إلى التقدير الإداري الجزافي. إذ تنص المادة 66 على فرض غرامة قدرها 50 ديناراً عن كل يوم تأخير في تقديم الإقرار بعد المهلة القانونية" (33). وقد حددت المادة 67 فوائد التأخير بمعدل 1.5% شهريا على المبالغ غير المدفوعة. ثم يتدرج بنا الجزاء الى التحول من التقدير الذاتي الى الجزافي اذ يبين القانون ما يلي إذا لم يقدم المكلف الإقرار أو امتنع عن التعاون أثناء الفحص يجوز للسلطة تقدير الضريبة تقديراً إدارياً جزافياً اعتماداً على المعلومات المتاحة" (34). ويُظهر هذا النص مدى حرص القانون الأردني على إعطاء الإدارة أدوات فعالة لاسترداد الضريبة المستحقة مع الحفاظ على حق المكلف في الرد والإثبات قبل اتخاذ أي إجراء جزافي. أما الجزاءات الجنائية، فيشير المشرع الضريبي الى "يُحال إلى القضاء كل من ارتكب احتيالًا أو أخفى دخلا أو مستندات ضريبية متعمدة بهدف التهرب من دفع الضريبة" (35). وتشمل هذه العقوبات حالات التهرب الكبيرة أو الاحتيال المتعمد، مما يعزز الردع ويكمل الأبعاد المالية والإجرائية للجزاءات.
ويشير التحليل المقارن إلى أن الأردن يتميز بتدرج واضح ومرن بين الإخطار التقدير الجزافي، والغرامات والفوائد، مع إمكانية التسوية وفق شروط محددة، ما يضمن التوازن بين حماية حقوق المكلف وفاعلية التحصيل الضريبي وتشير الدراسات إلى أن هذا التدرج يسهم في زيادة الامتثال الطوعي ويقلل النزاعات القضائية، مع توفير رقابة على الاجتهاد الإداري في فرض الجزاءات (36) توضح المقارنة بين مصر والأردن أن كلا النظامين يعتمد على مزيج من الجزاءات المالية، الإجرائية، والجنائية، اختلاف مع في التفصيل والتدرج، إذ تتميز مصر بالتفصيل النسبي للغرامات والفوائد والإجراءات التسوية، مع نصوص محددة للجزاءات الجزافية والإحالة الجنائية الأردن يتميز بتدرج واضح بين المهلة، الغرامة، الفوائد، التقدير الجزافي، والإحالة الجنائية مع حماية أكبر لحق المكلف في الدفاع وإمكانية التسوية. كلا النظامين يعكس مبدأ التوازن بين الردع الضريبي وحماية حقوق المكلف، وهو الهدف الأساسي لأي نظام تقدير ذاتي فعال.
_____________
1- المادة (4) من نظام مسك الدفاتر التجارية رقم 2 لسنة 1985.
2- المادة (27/1) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
3- المادة (28/1) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
4- المادة (28/ثانياً) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
5- المادة (17/اولاً) من دستور العراق الدائم 2005.
6- المادة (17/ثانياً) من دستور العراق الدائم 2005.
7- المادة (6/ أولاً) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
8- المادة (33/1) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
9- المادة (41) من قانون الإجراءات المصري رقم 206 لسنة 2020.
10- المادة (42) من قانون الإجراءات المصري رقم 206 لسنة 2020.
11- دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، قانون ضريبة الدخل رقم 34 لسنة 2014 المعدل وزارة المالية الأردنية، مطبعة الحكومة 32.
12- دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، قانون ضريبة الدخل رقم 34 لسنة 2014 المعدل، وزارة المالية الأردنية، مطبعة الحكومة، ص 35.
13- دائرة ضريبة الدخل والمبيعات اللائحة التنفيذية لقانون ضريبة الدخل رقم 34 لسنة 2014 وزارة المالية، عمان، 2015، ص 19.
14- دائرة ضريبة الدخل والمبيعات تعليمات رقم 1 لسنة 2015 بشأن إجراءات فحص قرارات الضريبة، وزارة، عمان، ص 5.
15- نظام الإقرارات والسجلات والوثائق ونسب الأرباح رقم 59 لسنة 2015 منشور في الجريدة الرسمية، العدد 5350، عمان ،2015، ص .12
16- المادة (2/28) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
17- المادة (4) من نظام مسك الدفاتر التجارية رقم 2 لسنة 1985.
18- المادة (56) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
19- المادة (59) من قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
20- المادة (30) من قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
21- عبد الرؤوف الصافي، شرح قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982، بغداد: دار الثقافة للطباعة 2019، ص 211.
22- المادة (44/ ثانياً) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
23- المادة (57) من قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل.
24- د. محمد عبد الكريم حسين، التقدير الذاتي للضريبة بين النظرية والتطبيق، مجلة العلوم القانونية، جامعة بغداد، المجلد 45، العدد 2 ، 2022، ص 155
25- سامي خليل الشمري تطوير النظام الضريبي العراقي في ضوء الاتجاهات الحديثة للإدارة المالية، رسالة ماجستير، كلية القانون - جامعة النهرين، 2021، ص187.
26- المادة (87) من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 واللائحة التنفيذية المعدلة، وزارة المالية المصرية القاهرة، 2005.
27- المادة (118) من اللائحة التنفيذية لقانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 وزارة المالية المصرية، القاهرة، .2006
28- المادة (121) من اللائحة التنفيذية لقانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 وزارة المالية المصرية، القاهرة، 2006
29- المادة (136) من قانون ضريبة الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005.
30- المادة (133) من قانون ضريبة الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005.
31- Andersen Egypt. (2021). Tax Law: Analysis of Article Amendments. Cairo, p. 5.
32- Tax Compliance Practices in Egypt: Self-Assessment Framework. Cairo, pp. 15-22.
33- المادة (66) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 34 لسنة 2014.
34- المادة (67) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 34 لسنة 2014.
35- المادة (71) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم 34 لسنة 2014.
36 - PwC Middle East. (2019). Jordan: Tax Law Amendments 2018-2019 and Compliance Impact. Amman, pp. 7-16.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية



قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)