نلقي فيما يأتي نظرة على شيء من كلام محمّد عجّاج في هذا المجال، ثمّ نناقشه بإيجاز: قال: «الصَّحِيفَةُ الصَّادِقَةُ» لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ (7 قبل الهجرة- 65 هـ).
كان رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم قد سمح لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه بكتابة الحديث، لأنه كان كاتباً محسناً، فكتب عنه الكثير. واشتهرت صحيفة ابن عمرو رضي الله عنه بـ «الصحيفة الصادقة»، كما أراد كاتبها أن يسمّيها، لأنّه كتبها عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم، فهي أصدق ما يروي عنه. وقد رآها مجاهد بن جبر (21- 104 هـ) عند عبد الله بن عمرو، فذهب ليتناولها، فقال له: مَهْ يَا غُلَامَ بَنِي مَخْزُومٍ. قال مجاهد: قلتُ ما كتبتَ شيئاً! قال: هَذِهِ الصَّادِقَةُ فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أحَدٌ.[1]
وكانت هذه الصحيفة عزيزة جدّاً على ابن عمرو حتى قال: مَا يَرْغُبُنِي في الحَياةِ إلَّا الصَّادِقَةُ والوَهْطُ.[2] وربّما كان يحفظها في صندوق له حلق خشية عليها من الضياع.[3] وقد حفظ هذه الصحيفة أهله من بعده؛ ويرجّح أنّ حفيده عمرو بن شعيب كان يُحدِّث منها.[4]
وتضمّ صحيفة عبد الله بن عمرو ألف حديث كما يقول ابن الأثير؛[5] إلّا أنّ إحصاء أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه لا يبلغ خمسمائة حديث. وإذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة كما كتبها ابن عمرو بخطّه، فقد نقل إلينا الإمام أحمد محتواها في مسنده كما ضمّت كتب السنن الاخرى جانباً كبيراً منها.
ولهذه الصحيفة أهمّيّة علميّة عظيمة، لأنّها وثيقة علميّة تأريخيّة، تثبت كتابة الحديث بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم وبإذنه.
وعلّق محمّد عجّاج هنا على كلامه فقال في الهامش: ورد طعن في «الصحيفة الصادقة» من بعض أهل العلم كالمغيرة بن مقسم الضبّيّ الذي قال: كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفةً تُسَمَّى الصَّادِقَةَ، مَا تَسُرُّنِي أنَّهَا لي بِفَلْسَيْنِ. انظر «تأويل مختلف الحديث» ص 93. وفي «ميزان الاعتدال» ج 2، ص 290: ما يسرُّني أنّ صحيفة عبد الله بن عمرٍ وعندي بتمرتَين أو بِفَلْسَيْنِ.
ثمّ قال: إذا صحّت هذه الرواية عن المغيرة، فلا يجوز حملها على ظاهرها، ولا قبولها هكذا مقتضية، لأنّه ذَكَرَ ذلك في معرض الكلام على الروايات الضعيفة. فإذا ضعّف نسخة ابن عمرو فإنّما ضعّفها لأنّها انتقلت وِجادةً[6] فهو لا يقبل أن تكون عنده هذه الصحيفة بالطريق الذي حملها الرواة. لأنّ الوجادة أضعف طرق التحمّل. فقد كانوا لا يحبّون أن ينقلوا الأخبار من الصحف، بل عن الشيوخ. ولا يجوز أن يُحْمَل قول المغيرة على غير هذا الوجه، لأنّه ثبت أنّ عبد الله قد كتبها بين يدي النبيّ صلى الله عليه و آله وسلّم.
ويواصل عجّاج حديثه فيقول: وكان عبد الله يُملي الحديث على تلاميذه.[7] وقد نقل عنه تلميذه حسين بن شفيّ بن ماتع الأصبحيّ في مصر
كتابين: أحدهما فيه: قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في كَذَا، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ كَذَا. والآخر: مَا يَكُونُ مِنَ الأحْدَاثِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.[8]
ونحن هنا لم نتعرّض إلّا لـ «الصحيفة الصادقة»، فقد كان عند ابن عمرو كتب كثيرة عن أهل الكتاب أصابها يوم اليرموك في زاملتين.
وقد ادّعى بِشْرُ المريسيّ أنّ عبد الله بن عمرو كان يرويهما للناس عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلّم. وكان يقال له: لَا تُحَدِّثنَا عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ. وهذه الدعوة باطلة، فقد ثبت أنّ ابن عمرو، وكان أميناً في نقله وروايته، لا يحيل ما روى عن النبيّ صليّ الله عليه و آله وسلّم على أهل الكتاب.[9]
وقال عجّاج في الهامش أيضاً: وقد ذكر محمود أبو ريّة صاحب كتاب «أضواء على السنّة المحمّديّة» في الصفحة 162، هامش 3: أنّ عبد الله بن عمرو كان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب. وكان يرويها للناس (عن النبيّ) فتجنّب الأخذ عنه كثير من أئمّة التابعين. وكان يقال له: لَا تُحَدِّثْنَا عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ. («فتح الباري» ج 1، ص 166)- انتهى.
ثمّ قال بعد ذلك: ومن العجيب أن يسمع إنسان مثل هذا الخبر ويصدّقه، لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أصدق الناس لساناً، وأنقى الامّة قلوباً، وأخلص البريّة للرسول صلّى الله عليه و آله وسلّم. فلا يعقل أن يكذب أمثال عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما على رسول الله فيعزو إليه ما سمعه من أهل الكتاب. فهرعتُ إلى «فتح الباري» وإذا به- شهد الله- خالياً من عبارة أبي ريّة. فليس في قول ابن حجر (عن النبيّ) إنّما زادها الكاتب من عنده.
فهل تكذيب الصحابة، والافتراء عليهم، والانتحال على العلماء، أمثال ابن حجر، وغيره من الأمانة العلميّة؟؟ وقد ثبت لنا سوء نيّة أبو ريّة في مواضع كثيرة يظهر بعضها في بحثنا عن أبي هريرة.[10]
[1] «المحدِّث الفاصل» نسخة دمشق، ص 2، ب ج 4؛ و«طبقات ابن سعد» ج 7، ص 189، ونحوه في «تقييد العلم» ص 84.
[2] «سنن الدارميّ» ج 1، ص 127. والوَهْطُ أرض لعمرو بن العاص تصدّق بها كان يقوم بها، المصدر نفسه.
[3] «مسند الإمام أحمد» ج 1، ص 171، الحديث 6625؛ و«كتاب العلم» للمقدسيّ، ص 30، بإسنادٍ صحيح.
[4] «تهذيب التهذيب» ج 8، ص 48 و49.
[5] «اسد الغابة» ج 3، ص 233.
[6] يلاحظ حيناً أنّ مشايخ الأحاديث والروايات يقرأون على التلميذ ويجيزونه في الرواية. وحيناً يقرأ التلاميذ عند المشايخ وهؤلاء يجيزونهم. وحيناً آخر يجدون حديثاً بكتابة شيخ من الشيوخ، وذلك الشيخ يقول: هذا حديثي. وهو ما يُسمّي بالوجادة.
[7] «تاريخ دمشق» ج 6، ص 49.
[8] «خطط المقريزيّ» ج 2، ص 332 و333. وأسقط عجّاج هنا ذيل الحديث وهو: فرمي بهما بين الخولة والرباب. ونحن نقلناه سلفاً عن الشيخ محمود أبي ريّة.
[9] «السُّنّة قبل التدوين» ص 348 إلى 351، الطبعة الثالثة.
[10] «السُّنّة قبل التدوين» هامش ص 351.