أورد أبو ريّة في كتاب «شيخ المضيرة: أبو هريرة» بحثاً تحت عنوان: «أبو هريرة أكثر الصحابة تحديثاً». ولمّا كان يناسب موضوعنا الحالي حول عبد الله بن عمرو وصحيفته الصادقة كثيراً، فمن الضروريّ أن نشير إليه علماً أنّ الكلام دار فيه حول عبد الله وصحيفته: قال: أجمع رجال الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة تحديثاً عن رسول الله، على حين أنّه لم يصاحب النبيّ إلّا عاماً واحداً وبضعة أشهر فحسب كما قلنا.
وقد ذكر أبو محمّد بن حزم أنّ «مسند بقي بن مخلّد» قد احتوى من حديث أبي هريرة على 5374. روى البخاريّ منها 446 ممّا جعل الصحابة ينكرون عليه ويُكذِّبون بعض رواياته كما ستراه بعد.[1]
هذا هو المعروف المشهور، ولكنّا رأيناه يقول كما روى البخاريّ وغيره:[2]
مَا مِنْ أصْحَابِ النَّبِيّ أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً مِنِّي إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛[3] فَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ ولَا أكْتُبُ.[4]
ولو بحثنا عن كلّ ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه (700) حديث عند ابن الجوزيّ، أي: بنسبة ممّا رواه أبو هريرة، روى البخاريّ منها ثمانية، ومسلم عشريناً.
ولعلّ اعتراف أبي هريرة هذا قد صدر عنه أوّل أمره حينما كان يعيش بين كبار الصحابة وعلمائهم، إذ كان يخشى أن ينكروا عليه مرويّاته. ولكن لمّا خلا له الجوّ، واستباح الرواية- بعد مقتل عمر وموت كبار الصحابة-[5] أكثر وأفرط، وبخاصّة في عهد معاوية الذي حمي ظهره، وأعلى قدره، وجعله محدّث دولته، كما سترى ذلك إن شاء الله.
وقد يظنّ بعضهم من قول أبي هريرة هذا أنّ عبد الله بن عمرو قد كتب ما سمعه من رسول الله، وبذلك تكون مرويّاته متواترة في لفظها ومعناها، وأنّ ما كتبه قد حفظ من بعده بالكتابة كذلك، كما حفظ القرآن بالكتابة؛ فيفيد العلم بنفسه، ويكون أصلًا صحيحاً معتمداً بين المسلمين، بعد كتاب الله المبين.
ولكنّ المعروف أنّ ما لابن عمرو من الحديث في كتب السنّة قد جاء من طريق الرواية، لا من سبيل الكتابة. وكلّ ما عُلم عمّا كتبه أنّه (صحيفة) كان يسمّيها «الصادقة».
وقد ذكروا أنّها كانت تحمل أدعية منسوبة إلى النبيّ يقولها المرء إذا أصبح وإذا أمسى. ويبدو أنّ هذه الصحيفة لم تكن عند المحقّقين ذات قيمة ولا تساوي شيئاً.
فقد جاء في كتاب «تأويل مختلف الحديث»،[6] وكتاب «المعارف»[7] وكلاهما لابن قُتيبة ما يلي: وقال مغيرة: كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفَةٌ تُسَمَّى الصَّادِقَةَ، مَا يَسُرُّنِي أنَّهَا لي بِفَلْسَيْنِ!![8]
والآن، إذ استبانت هويّة كعب الأحبار، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو نوعاً ما، يجدر بنا أن نُذكِّر بأنّ روايات هؤلاء لا وزن لها عند الشيعة، وأنّ حديثهم مرفوض. فإذا ما انتهى إلى أحدهما سندُ حديثٍ ما، فذلك الحديث لا اعتبار له.
[1] هو أبو عبد الرحمن بقي بن مخلّد الأندلسيّ من حفّاظ الحديث وأئمّة الدين. ملأ الأندلس علماً جمّاً وله تفسير فضّلوه على تفسير ابن جرير. وله في الحديث مصنّفه الكبير الذي رتّب فيه حديث كلّ صاحب على الفقه وبيان الأحكام. فهو مصنّف ومسند. وكان حرّاً لم يقلِّد أحداً. ولد سنة 181 هـ وتوفّي سنة 276 هـ.
[2] «فتح الباري» ج 1، ص 167.
[3] هو أحد العبادلة الثلاثة الذين رووا عن كعب الأحبار. وكان قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس. فتجنّب كثير من أئمّة التابعين الأخذ عَنه. وكان يقال له: لَا تُحَدِّثْنَا عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ.
[4] أثبت ذلك ابن حجر في «فتح الباري» ج 1، ص 167. وفي «مسند أحمد» عن أبي هريرة: انّ ابن عمرو كان يكتب بيده وكنتُ لا أكتب بيدي.
[5] عن خيثمة بن عبد الرحمن، قلتُ لأبي هريرة: حَدِّثني! فقال: تسألني وبينكم علماءُ أصحاب محمّد والمجار من الشيطان، عمّار بن ياسر. وعمّار قُتل بوقعة صفّين سنة 37 هـ. ويتبيَّن من هذا الحديث أنّ أبا هريرة كان إلى هذا التأريخ يخشي أن يحدِّث الناس عن رسول الله صلوات الله عليه.
[6] «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، ص 93.
[7] «المعارف» لابن قتيبة، ص 200.
[8] في «مسند أحمد» عن أبي راشد الحبرانيّ قال: أتيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلتُ له: حدّثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله. فألقى بين يدي صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وآله. فنظرتُ فيها، فإذا فيها أنّ أبا بكر الصدِّيق قال: يا رسول الله علّمني ما أقول إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ. فقال له رسول الله: يا أبا بكر قل: اللهُمَّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة. لا إله إلّا أنت، ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شَرِّ نفسي ومن شرّ الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجرّه إلى مسلم. («مسند أحمد» شرح الشيخ أحمد شاكر، ج 11، ص 84، الحديث 6851). وقال مجاهد: رأيتُ عند عبد الله بن عمرو صحيفة فسألتُه عنها، فقال: هذه الصادقة فيها ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس بيني وبينه أحد. «طبقات ابن سعد» ج 7، ص 189. وروى المقريزيّ عن حَيْوة بن شريح قال: دخلتُ على حسين بن شُفَيّ بن ماتع الأصبحيّ وهو يقول: فَعَلَ الله بفلان! فقلتُ: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفيّ سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص أحدهما: قضى رسول الله في كذا وقال رسول الله كذا؛ والآخر: ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فرمى بهما بين الخولة والرباب. «خطط المقريزيّ» ج 2، ص 333. والخولة والرباب مركبين كبيرين من سفن الجسر كانا يكونان عند رأس الجسر ممّا يلي الفسطاط تجوز من تحتهما المراكب لكبرهما. انظر: «شيخ المضيرة» ص 108 إلى 110، الطبعة الثانية.