إذا قيل: إنّنا نريد أن نبوّب الأدعية كلّها حسب موضوعاتها! فانّنا نقول في الجواب: لِمَ تريدون أن تجمعوا الأدعية المسلّمة والمتيقّنة مع الأدعية المشكوكة والواهية من حيث المتن والسند؟! ومَن الذي ألزمنا بهذا العمل؟ وما هي فوائد التبويب حسب الموضوع أساساً؟! ولو كان هذا الأمر صحيحاً، فَلِمَ لَمْ يُبَوِّب الإمام السجّاد عليه السلام نفسه أدعيته في «الصحيفة الكاملة»؟! ولِمَ لَمْ تُبَوَّبِ السور والآياتُ القرآنيّة؟!
إن القرآن الكريم كتاب تلاوة وعمل، ومصدر لكسب المعنويّات. وتُلاحَظُ في كلّ سورة آيات متنوّعة تشتمل على مطالب عرفانيّة ومعارف إلهيّة، ووحدة الحقّ الأقدس تعالى بصور وأشكال متباينة. وينبغي أن يكون هكذا. لأنّ قاري القرآن في كلّ يوم وليلة، وفي كلّ حالة متفاوتة يحتاج إلى جميع ضروب النصائح والمواعظ والحِكَم. وعليه أن يتوجّه إلى التوحيد في كلّ لحظة، وينبغي أن تدور آيات الأحكام في وسطها دائماً. فليس للقرآن أوّل ولا آخر. وكلّه سواء.
وهذا هو كتاب الوحي السماويّ، وورقة العمل لظهور الأحوال المعنويّة والحياة الخالدة الزاخرة بالنعم السرمديّة الباقية، دنيويّة كانت أم اخرويّة. ولهذا نجد سوره وآياته كالطبيعة النقيّة صافيةً بلا تدخّل ولا تصرّف، ليلها ونهارها متفاوتان، جبالها مختلفة، سهولها وصحاراها غير متناسبة، شمسها وقمرها مرّة في أوجهما، واخرى في حضيضهما. لفصولها الأربعة في كلّ نقطة من العالم حكم خاصّ. ولكلٍّ من أنهارها وبحارها ومحيطاتها حجم وسعة وحكم مخصوص، ومياه مختلفة.
وهذا الاختلاف الطبعيّ والطبيعيّ هو الذي يقيم العالم. وإذا قُدّر أن تكون الأشياء كلّها متساويةً ذات شكلٍ واحد ولون واحد وحجم واحد وحرارة واحدة، فلن يستقيم أمر العالم لحظة واحدة، ولتجرّع بكلتا يديه كأس المنون، وكان مصيره إلى الفناء والعدم والهلاك.
وهكذا دأب القرآن، وكتاب الدعاء، وكلّ كتاب إلهيّ، لأنّه اخذ من فهم النفوس والأرواح التي تعيش في هذا العالم المليء بالاختلاف، وتحت سمائه الزرقاء.
ولو أردتَ مثلًا أن تبوّب القرآن الكريم على شكل مباحث موضوعيّة ومطالب مصنّفة! فانّك ستجمع آيات الأحكام المتعلّقة بالإرث والنكاح والطلاق في مكان، وآيات العبادات المرتبطة بالحجّ والصلاة والصيام في مكان، وآيات البيع والدَّين والرهن في مكان، والآيات التوحيديّة والمعارف الإلهيّة في مكان، وحينئذٍ لا يعود القرآن قرآناً. ولا يكون قرآناً كريماً ومجيداً، ولا يتّصف بصفة المجد والكرم، ولا يصدق عليه عنوان لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.[1]
وسيصبح كتاباً عاديّاً كسائر الكتب. ولن يحمل عنوان المعجزة، والخلود، والأبديّة. ولن يهب الإنسان الباحث عن الله روحاً. ولن يكون مربّياً للأرواح.
لقد كان محمّد على فروغي عالماً. ويظهر من كتاب «سير حكمت» في اوروبّا، ومن تصحيحه بعض الكتب والتعليق عليها أنّه رجل مثقّف مطّلع. بَيدَ أنّه كان في عصر رضا خان بهلوي عَلَماً من أعلام الاستعمار الإنجليزيّ في إيران. وبلغ تعاونه مع رضا خان والانجليز درجة بحيث يجب أن يؤلَّف كتاب بل كتباً في هذا المجال حقّاً. وفي زمانه الغيت تلاوة القرآن في المدارس وحلّ محلّها بعض الآيات المنتخبة.
وكان عازماً على تلخيص القرآن، وحذف الآيات المتكرّرة، بَيدَ أنّ يد الغيب الأحديّة صفعته على رأسه، إذ لمّا دخل الجيشان الروسيّ والإنجليزيّ إيران، فانّه فزع إلى أسياده فأمروه بالاستقالة، ولاذ بالفرار وللهِ الحَمْدُ ولَهُ المِنَّة إذ انكسر الدنّ واريق ما في الصواع. (أي: انتهى كلّ شيء وانتفى أصل الموضوع).
إن لكلّ عبارة وكلمة في القرآن الكريم، و«نهج البلاغة»، و«الصحيفة الكاملة السجّاديّة» موضوعيّة، وينبغي أن لا ينالها تغيير وتبديل وتحريف، وأن لا تتفرّق وتُلْحَق بسائر الكتب، وأن لا تُلْحَق بها كتب اخرى.
وإذا أراد شخص أن يؤلّف مستدركاً على «نهج البلاغة» فالطريق أمامه مفتوح، بَيدَ أنّه لا حقّ له أن يُقحمه في «نهج البلاغة»، ويخلطه بخطبه حسب الموضوعات.
إن «نهج البلاغة» مِن البَدْوِ إلَى الخَتْمِ هو من اختيار الشريف الرضيّ لخطب أمير المؤمنين عليه السلام وكُتُبه وحِكَمه. وله اسلوب خاصّ ومعانٍ مخصوصة لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ. فاذا زعم أحد أنّه يجمع بقيّة الخُطَب، فهنيئاً له، ولكن كما كتبوا ويكتبون، فعليه أن يكتب وينظّم مستدركاً مستقلًا خاصّاً لها، ويفرده في كتابٍ على حِدَة، ولا يجعله مع أصل «نهج البلاغة» في مجلّد واحد، وذلك لكي يُحفَظ شأن ومقام كلّ خطبة وكتاب في موضعهما.
هل يمكننا أن نجعل القرآن الكريم مع التوراة والإنجيل ونبوّيه معهما بشكل مباحث موضوعيّة ومطالب علميّة، ونجمعه معهما في مجموعة واحدة بحيث لا تتميّز آياته عمّا ورد فيهما، وبحيث نحتاج إلى فهرس لتمييزها، حتى لو فرضنا أنّ ذينك الكتابين هما الكتابان الأصليّان اللذان لم يُحرَّفا؟ وهل يتسنّى لنا مثلًا أن نجعل في رأس كلّ صفحة علامة لتمييز الآيات القرآنيّة وتمييز نصوص التوراة والإنجيل؟ وهذا المثال المذكور هنا هو أبرز الأمثلة المتصوَّرة وأبينها. ومن الواضح أنّ هذا العمل غير سديد أبداً. فللقرآن الكريم - عقلًا وشرعاً وشهوداً - خصائص ومزايا وآثار وقيود معيّنة، فينبغي أن لا يُخلط بسائر الكتب وإن كانت أحاديث قدسيّة وألواح سماويّة.
[1] الآية 79، من السورة 56: الواقعة.