نقل محمّد عجّاج الخطيب في كتابه كلام المرجع الدينيّ الأكبر السيّد حسن الصدر (1272- 1354 هـ) في كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ثمّ ردّ بزعمه على إشكالاته كلّها.
قال: إنّ ما ذكره السيوطيّ ليس وهماً بل حقيقة علميّة، كما تبيّن لنا من البحث. وأمّا قصر مدّة خلافة عمر بن عبد العزيز، وعدم تأريخ زمن أمره فإنّه لا ينافي استجابة العلماء لأمر الخليفة. وأمّا أنّه لم ينقل هذا ناقل، فهذا حكم يناقض الدليل، فقد كثر الناقلون. ونصّ ابن عبد البرّ على أنّ ابن شهاب امتثل لأمر الخليفة وكتب الحديث في دفاتر، وبعث الخليفة إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفتراً.[1]
ولم يكن ما ذكره ابن حجر من باب الحدس والتخمين. ثمّ إنّ ما ذكره علماء الحديث من أنّ إفراد تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم كان على رأس المائتين، لا ينافي قطّ تدوينه استجابة لأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، ونحن لا نشكّ في أنّ بعض المدوّنات الأولى في عصر رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم، وفي عصر الصحابة كانت خالية من فتاوى الصحابة.
وأقوى دليل على هذا «الصحيفة الصادقة»، و«الصحيفة الصحيحة»، وإن كان بعض المصنّفين قد كتب عمل الصحابة، وفتاواهم إلى جانب الحديث، فهذا لا ينافي كونهم دوّنوا الحديث على رأس المائة الأولى وقبلها.
واستشهاده بما ذكره الحافظ الذهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» لا يجدي نفعاً، لأنّ الحافظ الذهبيّ لخّص الحالة في القرن الأوّل، ولم يدرس التدوين دراسة موضوعيّة تفصيليّة، ومع هذا نراه يذكر في تراجم مَن صنّف مِن العلماء أنّهم أوّل من صنّفوا في بلادهم. وليس من المفروض على الذهبيّ أن يفصّل في التدوين، لأنّ تذكرته في رجال الحديث، لا في علم الحديث ومصطلحه.
وأمّا أنّ أحداً من الأوائل الذين كتبوا في الحديث وعلومه- لم يذكر ما ذكره الجلال السيوطيّ- فهذا مردود بما كشف عنه بحثنا؛ فقد ذكر ذلك الرامهرمزيّ، وبيّن سبب كراهة مَن كره الكتابة في الصدر الأوّل، وجمع بين أحاديث السماح بالكتابة والنهي عنها.
وإذا كان الرامهرمزيّ لم ينقل إلينا النصّ كالسيوطيّ حرفيّاً، فقد ذكر ما يفهم منه أنّ بعض العلماء كانوا قد دوّنوا في القرن الأوّل،[2] كما بيّن اهتمام عمر بن عبد العزيز بنشر السُّنّة والمحافظة عليها.[3] ووضع الخطيب البغداديّ كتابه «تقييد العلم» لعرض سِير التدوين في العصر الأوّل، وبيّن كثيراً ممّا خفي على الناس، وأثبت أنّ بعض طلّاب العلم وأهله قد مارسوا التدوين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وبعده.
وروى أبو عُبيد القاسم بن سلام (157- 224 هـ) بسنده عن محمّد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، قال: لمّا استُخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطّاب... فنُسخا له.[4]
فما أظنّ بعد هذا أن يدّعي إنسان أنّ أمر عمر بن عبد العزيز لم ينفّذ أو لم يؤخذ به. فما ذهب إليه علماء الحديث من أنّ ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة الأولى ليس من باب الحدس والتسرّع بالقول. ويحمل قولهم هذا على التدوين الرسميّ الذي تبنّته الدولة. أمّا التدوين الشخصيّ والفرديّ فكان منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
بعد ما ذكره السيّد حسن الصدر ذكر كتاباً لعليّ رضي الله عنه كان عظيماً مدرجاً، وذكر صحيفته المعلّقة بسيفه. ثمّ ذكر كتاباً لأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم سمّاه «كتاب السُّنن والأحكام والقضايا»؛ وقد توفّي أبو رافع في أوّل خلافة عليّ رضي الله عنه، قال السيّد حسن الصدر: وأوّل خلافة عليّ أمير المؤمنين سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فلا أقدم من أبي رافع في التأليف بالضرورة.[5]
قال محمّد عجّاج الخطيب: إذا صحّ هذا الخبر فإنّ أبا رافع يكون ممّن دوّن في عصر الصحابة، وقد سبقه عبد الله بن عمرو الذي كتب في عهده صلى الله عليه وآله. وإذا صحّ هذا الخبر وكان كتابه مرتّباً على الأبواب (الصلاة، والصيام، والحجّ، والزكاة، والقضايا) كما ذكر السيّد حسن الصدر، كان لأبي رافع شرف الأولويّة في التأليف لا في التدوين، وصحّة هذا لا تحملنا على أن ننفي ما ثبت تاريخيّاً من أخبار التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز.[6]
وقد ذكرنا فيما تقدّم كلام الخطيب نصّاً حتى هوامشه لتتبيّن جوانب إشكاله كلّها. وإذا أردنا حقّاً أن نوضّح ونثبت صحّة كلام المرحوم السيّد حسن الصدر، ونفصّل الحديث في جميع الإشكالات المثارة عليه، فسيستوعب هذا كتاباً لا محالة. بَيدَ أنّا لا بدّ لنا أن نتبسّط في الكلام هنا نوعاً ما رفعاً للشبهات، وإن استلزم ذلك التفصيلَ إجمالًا.
[1] «جامع بيان العلم وفضله» ج 1، ص 76.
[2] «المحدّث الفاصل» ص 71: آ- 71: ب.
[3] «المحدّث الفاصل» ص 153: آ.
[4] كتاب «الأموال» ص 358 و359.
[5] قال محمّد عجّاج الخطيب في الهامش: «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 279 و280؛ وقد نقل عن الشيخ أبي العبّاس النجاشيّ ما ذكره عن أبي رافع. ثمّ قال السيّد حسن الصدر: وأوّل من صنّف في الآثار مولانا أبو عبد الله سلمان الفارسيّ رضي الله عنه ... وأوّل من صنّف الحديث والآثار بعد المؤسّسين أبو ذرّ الغفاريّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله. وله كتاب «الخطبة» يشرح فيها الامور بعد النبيّ صلى الله عليه وآله. ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسيّ في «الفهرست». ثمّ يذكر كتاباً لعبيد الله بن أبي رافع في قضايا أمير المؤمنين، وكتاب «تسمية مَن شهد مع أمير المؤمنين الجمل، وصفّين، والنهروان من الصحابة». ثمّ ذكر بعض أخبار كتب لأشخاص طعن فيهم أهل السُّنّة كالحارث بن عبد الله الأعور الهمدانيّ، أو أخبار كتب لم تثبت عند أهل السُّنّة. انظر: «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 282 وما بعدها.
[6] «السُّنّة قبل التدوين» ص 364 إلى 368.