ردّ الشيخ محمود الطهرانيّ الشهير بالمعرّب، برسالةٍ سمّاها «كشف الارتياب عن تحريف الكتاب». فلمّا بلغ ذلك الشيخ النوريّ كتب رسالةً فارسيّة مفردة في الجواب عن شبهات «كشف الارتياب» كما مرّ في ج 10، ص 220. وكان ذلك بعد طبع «فصل الخطاب» ونشره، فكان شيخنا يقول: لا أرضى عمّن يطالع «فصل الخطاب» ويترك النظر إلى تلك الرسالة.
ذكر في أوّل الرسالة الجوابيّة ما معناه: إنّ الاعتراض مبنيّ على المغالطة في لفظ التحريف، فإنّه ليس مرادي من التحريف التغيير والتبديل، بل خصوص الإسقاط لبعض المُنزل المحفوظ عند أهله. وليس مرادي من الكتاب القرآن الموجود بين الدفّتين، فإنّه باق على الحالة التي وضع بين الدفّتين في عصر عثمان، لم يلحقه زيادة ولا نقصان، بل المراد الكتاب الإلهيّ المنزل.
وسمعتُ عنه شفاهاً يقول: إنّي اثبت في هذا الكتاب أنّ هذا الموجود المجموع بين الدفّتين كذلك باق على ما كان عليه في أوّل جمعه كذلك في عصر عثمان، ولم يطرأ عليه تغيير وتبديل كما وقع على سائر الكتب السماويّة، فكان حريّاً بأن يسمّى «فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب» فتسميته بهذا الاسم الذي يحمله الناس على خلاف مرادي، خطأ في التسمية، لكنّي لم ارِد ما يحملوه عليه، بل مرادي إسقاط بعض الوحي المُنزل الإلهيّ. وإن شئت قلت اسمه «القَوْلُ الفَاصِلُ في إسقَاطِ بَعْضِ الوَحْي النَّازِل»... .
ومرّت الرسالة الجوابيّة في حرف الراء بعنوان «الرّد على كشف الارتياب».
وأيّده الحاج مولى باقر الواعظ الكجوريّ الطهرانيّ بكتابه «هداية المرتاب في تحريف الكتاب». ويأتي «كشف الحجاب والنقاب عن وجه تحريف الكتاب» للشيخ محمّد بن سليمان بن زوير السليمانيّ الخطيّ البحرانيّ، تلميذ المولى أبي الحسن الشريف العامليّ. وأورد الشيخ هادي الطهرانيّ محصّل ما في «فصل الخطاب» هذا في كتابه «محجّة العلماء» المطبوع في سنة 1318. وإن أضرب عليه أخيراً دفعاً لما يوهمه ظواهر الكلمات والعنوانات.[1]
وقال في هويّة كتاب الردّ على «فصل الخطاب»: «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب» للفقيه الشيخ محمود بن أبي القاسم الشهير بالمعرّب الطهرانيّ المتوفّى أوائل العشر الثاني بعد الثلاثمائة كتبه ردّاً على «فصل الخطاب» لشيخنا النوريّ. فلمّا عُرض على الشيخ النوريّ كتب رسالة مفردة في الجواب عن شبهاته. وكان يوصي كلّ من كان عنده نسخة من «فصل الخطاب» بضمّ هذه الرسالة إليها، حيث إنّها بمنزلة المتمّمات له... .
ورتّب هذا الكتاب على مقدّمة وثلاث مقالات وخاتمة. وأوّل إشكالاته أنّه إذا ثبت تحريف القرآن، يقول اليهود: فلا فرق بين كتابنا وكتابكم في عدم الاعتبار. فأجاب في الرسالة بأنّ هذا مغالطة لفظيّة حيث إنّ المراد من التحريف الواقع في الكتاب، غير ما حملت ظاهراً للفظ، من التغيير والتنقيص المحقّق جميعها في كتب اليهود وغيرهم، بل المراد من تحريف الكتاب هو خصوص التنقيص عنه فقط، وفي غير الأحكام فقط. وأمّا الزيادة فالإجماع المُحصّل من جميع فرق المسلمين والاتّفاق العامّ على أنّه ما زيد في القرآن، ولو بمقدار أقصر آية، وعدم زيادة كلمة واحدة في القرآن لا نعلم مكانها.[2]
وقال في هويّة رسالة الردّ على «كشف الارتياب»: تأليف شيخنا النوريّ. وهي فارسيّة لم تُطبع بعد ... .
وذكر جواب النوريّ هنا مفصّلًا بأنّ هذا الكلام مغالطة لفظيّة، كما نقلناه عنه في تعريف «فصل الخطاب»، وتعريف «كشف الارتياب». وقال في آخره: لأنّه يُثبت فيه من أوّله إلى آخره عدم وقوع التحريف بهذا المعنى فيه أبداً.[3] (أي: الزيادة والتغيير والتبديل).
وقال في هويّة كتاب «محجّة العلماء» الذي ذكر فيه أخبار «فصل الخطاب»، ثمّ ردّها:... في اصول الفقه في مجلّدين ... وهو تصنيف الحجّة الشيخ هادي بن المولى محمّد أمين الطهرانيّ النجفيّ المتوفّى في العاشر من شوّال سنة 1321 ... وهي مطبوعة على الحجر بإيران في سنة 1. 318[4]
ومن الواضح أنّ جواب المرحوم المحدِّث النوريّ في أنّ الإشكال مُبتنٍ على مغالطة لفظيّة لا يتمّ لأنّه أفاد نفي التحريف بلحاظ التغيير والتبديل والزيادة.
أمّا من حيث النقص المزعوم في الكتاب فإنّه يعتقد به، وهو ما يستلزم الإشكال.
وأمّا ما أفاده من أنّ المراد من كتاب ربّ الأرباب الذي ناله التحريف هو الكتاب الذي أنزله جبريل على النبيّ صلى الله عليه وآله، لا هذا القرآن المتداول في أيدينا اليوم، وهو نفسه القرآن الذي جمعه عثمان، فهو كلام لا طائل تحته أيضاً. إذ لم يقدح أحد في هذا القرآن الموجود منذ عصر عثمان إلى الآن ولم يقل بتحريفه. فالقدحُ يُذكَر في تحريف القرآن المُنزل من السماء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله، هل جُمعت آياته وسوره نفسها بلا نقصٍ وزيادةٍ وتغييرٍ وتبديلٍ، فصار بهذا الشكل الموجود؟ أو طرأ عليه النقص أو الزيادة حين الجمع الأوّل في عهد أبي بكر، والجمع الثاني في عصر عثمان؟
تقول الشيعة: إنّ القرآن المنزَل من السماء هو نفسه القرآن الموجود حاليّاً بلا نقصٍ وزيادة. ونحن نبيّن ونثبت في هذا الكتاب الذي يدور حول عقائد الشيعة، عقيدتهم المتمثّلة في عدم التحريف زيادةً أو نقصاً أو تغييراً أو تبديلًا كما يلاحظ في هذا البحث. والحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.[5]
[1] «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج 16، ص 231 و232.
[2] «الذريعة» ج 18، ص 9 و10.
[3] «الذريعة» ج 10، ص 220 و221.
[4] «الذريعة» ج 20، ص 146 و147.
[5] يقول الفقيه المدافع عن أهل البيت المرحوم السيّد محسن الأمين الحسينيّ العامليّ في كتاب «أعيان الشيعة» ج 1، ص 121 إلى 123، الطبعة الثانية وهو يُجيب ابن حزم الذي نسب إلى الإماميّة عقيدة التغيير في القرآن بقوله: ومن قول الإماميّة كلّها قديماً وحديثاً إنّ القرآن مُبَدَّل، زِيد فيه ما ليس منه كثير وبدّل منه كثير حاشا عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. وكان إماميّاً يظاهر بالاعتزال مع ذلك فإنّه كان ينكر هذا القول ويكفّر من قاله. وكذلك صاحباه: أبو يعلى ميلاد الطوسيّ، وأبو القاسم الرازيّ. ونقول: لا يقول أحدٌ من الإماميّة لا قديماً ولا حديثاً إنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلًا عن كلّهم، بل كلّهم متّفقون على عدم الزيادة. ومن يُعتدّ بقوله من محقّقيهم على أنّه لم ينقص منه. ويأتي تفصيل ذلك عند ذكر كلام الرافعيّ. ومن نسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذِب مفتر مجترئ على الله ورسوله، والذين استثناهم وقال: إنّهم ينكرون الزيادة والنقصان في القرآن ويكفّرون من قال بذلك هم أجلّاء علماء الإماميّة. وإن كذب في دعوى التكفير الذي يكيله للناس في كتابه بالصاع الأوفى وقد تعوّد عليه قلمه ولسانه. وعليّ بن الحسين المذكور في كلامه هو الشريف المرتضى عَلَم الهُدى ذو المجدين من أجلّاء علماء الإماميّة وأئمّتهم ومشاهيرهم وأسقط من أجداده موسى بين محمّد وإبراهيم. وقوله: كان إماميّاً يظاهر بالاعتزال طريف جدّاً. فالإماميّ كيف يكون معتزليّاً؟ وكتاب «الشافي» للمرتضى هو ردّ على «المغني» للقاضي عبد الجبّار من أشهر شيوخ علماء المعتزلة. لكن اعتاد جماعة أن ينسبوا جملة من محقّقي علماء الإماميّة إلى الاعتزال بموافقتهم للمعتزلة في بعض المسائل كمسألة الرؤية والحسن والقبح ونحوها. وهذا خطأ وغلط من قائله. فالمعتزلة أقرب إلى مَن يُسمَّون أهل السُّنّة منهم إلى الشيعة لموافقتهم أيّاهم في أمر الخلافة، وفي أخذ فروع الدين من الأئمّة الأربعة. وأمّا أبو يعلى ميلاد الطوسيّ فاسمٌ محرّف، وصوابه أبو يعلى سلّار، ولكن وصفه بالطوسيّ خطأ، بل هو سلّار الديلميّ. وللمرتضى تلميذ آخر اسمه الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن الجعفريّ. ومن تلامذة المرتضى الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ؛ ولكن ابن حزم لشدّة تثبّته حَرَفَ الاسمَ والوصف. أمّا أبو القاسم الرازيّ فالظاهر أنّه محرّف أيضاً. إذ لا نعلم في أصحاب المرتضى أحداً بهذا الاسم. وذكرنا في البحث الثامن أنّ الصدوق جعل من اعتقاد الإماميّة عدم النقص وعدم الزيادة في القرآن. وبذلك عُلِمَ أنّ كلام ابن حزم محض افتراء. على أنّ الاختلاف في بعض آيات القرآن كان موجوداً في عصر الصحابة. فقد قرأ ابن مسعود: فَمَا استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى، حكاه الطبريّ في تفسيره. ويأتي عند ذكر كلام ابن حزم قول بعض من يسمّون أهل السُّنّة بوقوع النقص في القرآن. واختلف المسلمون في البسملة هل هي جزء من السُّور؟ فنفى ذلك الإمام أبو حنيفة، وأثبته الإمام الشافعيّ وأئمّة أهل البيت. وقال علماء الاصول: ما نقل آحاداً فليس بقرآن. وهو اعتراف منهم بوقوع الخلاف. ولكن ذلك كلّه شاذّ مسبوق وملحوق بالإجماع على عدم النقص والزيادة. وقال آية الله الأمين العامليّ في ص 141 إلى 146 من هذا الكتاب: قال الرافعيّ في كتاب «إعجاز القرآن» ص 185: أمّا الرافضة- أخزاهم اللهـ فكانوا يزعمون أنّ القرآن بُدِّل وغُيِّر وزِيدَ فيه ونقص منه وحُرِّف عن مواضعه. وإنّ الامّة فعلت ذلك بالسُّنن أيضاً. وكلّ هذا من مزاعم شيخهم وعالمهم هشام بن الحكم لأسباب لا محلّ لشرحها هنا وتابعوه عليها جهلًا وحماقة. ونقول: أمّا مسارعته إلى الشتم والسُّباب، فكلّ إناء بالذي فيه ينضحُ. وقديماً ما سبّ الذين كفروا ربَّ العزّة، وسُبَّت الأنبياء والمرسلون. وسبّ سلفه بنو اميّة الذين يشيد بذكرهم سلفَ الشيعة وإمامَهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أخا الرسول صلى الله عليه وآله وصنوه، فما ضرّهم ذلك شيئاً. وأمّا قوله: إنّهم يزعمون أنّ القرآن ... إلى آخره، فهو كذب وافتراء تبع فيه ابن حزم فيما مرّ من كلامه في هذا البحث. ونصّ كبراء علماء الشيعة ومحدّثيهم على خلافه وقد بيّنا هناك اتّفاق الشيعة عموماً على عدم الزيادة. واتّفاق المحقّقين ومن يُعتدّ بقوله منهم على عدم النقص، وأشرنا إلى أنّ القول بالنقص وقع من شاذّ من أهل السُّنّة والشيعة، ولا يختصّ بالشيعة وأنّه مسبوق وملحوق بالإجماع من الفريقين على عدم النقص، فلا يُعتدّ به. فأين موضع العيب والنقد علينا أيّها المنصفون؟ ونزيد هنا بياناً بنقل كلمات بعض الأجلّاء من علماء الشيعة الناصّة على ما قلناه. وذكر المرحوم السيّد محسن الأمين هنا كلام الصدوق في «الاعتقادات»، وكلام الشيخ الطبرسيّ في «مجمع البيان»، وكلام السيّد المرتضى علم الهدى في المسائل «الطرابلسيّات»، وكلام الشيخ الطوسيّ في أوّل كتاب «التبيان». ثمّ قال: وقال الشيخ جعفر النجفيّ فقيه عصره في «كشف الغطاء»: لا ريب أنّ القرآن محفوظ بحفظ الملك الديّان كما دلّ عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في كلّ زمان، ولا عبرة بالنادر. وقال الشيخ البهائيّ: والصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى: وإنّا له لحافظون. وعن السيّد محسن البغداديّ في «شرح الوافية»: الإجماع على عدم الزيادة. وأنّ المعروف بين أصحابنا حتى حُكي عليه الإجماع على عدم النقيصة. وصنّف الشيخ عليّ بن عبد العال الكركيّ رسالة في نفي النقيصة. وقال الفاضل المعاصر الشيخ محمّد جواد البلاغيّ النجفيّ صاحب كتاب «الهُدى إلى دين المصطفي» في مقدّمة كتابه «آلاء الرحمن في تفسير القرآن»: لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة التشريع والمقتضيات المتجدّدة آناً يتدرّج في نزوله نجوماً. وكلّما نزل شيء هتفت إليه قلوب المسلمين، وانشرحت له صدورهم، وهبّوا إلى حفظه بأحسن الرغبة والشوق وأكمل الإقبال، وتناوله حفظهم بما امتازت به العرب وعرفوا به من قوّة الحافظة، وأثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر. وكان شعار الإسلام وسمة المسلم هو التجمّل بحفظ ما ينزل من القرآن لكي يتبصّر بحججه، وشرائعه، وأخلاقه الفاضلة، وتأريخه المجيد، وحكمته الباهرة، وأدبه العربيّ الفائق المعجز. واستمرّوا على ذلك حتى صاروا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم يعدّون بالالوف وعشراتها، وكلّهم من حملة القرآن وحفّاظه. ولمّا توفّى الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم فلا يُرجى للقرآن نزول تتمّة، رأى المسلمون أن يسجّلوه في مصحف جامع. فجمعوا مادّته على حين إشراف الالوف من حفّاظه، فاستمرّ على هذا الاحتفال العظيم جيلًا بعد جيل. ولم يتّفق لأمر تاريخيّ من التواتر وبداهة البقاء ما اتّفق للقرآن كما وعد الله جلّت آلاؤه بقوله: إنّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون. وقوله: إنّ علينا جَمْعَهُ وقرآنه. ولئن سمعت في الروايات الشاذّة شيئاً في ضياع بعضه فلا تقم له وزناً. وقل ما يشاء العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين وما ألصقته بكرامة القرآن ممّا ليس به شبه.
ثمّ أورد المرحوم البلاغيّ شيئاً من تلك الروايات وذكر في الحاشية ما روى من أنّه جمعه في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وابيّ ابن كعب، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعد بن عبيد، وأبو زيد. وأنّ ممّن ختمه والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم حيّ عثمان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. وقول زيد بن ثابت: كُنَّا عند رسول الله (أو حول رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلّم نؤلّف القرآن من الرقاع ... . وبذلك تعلم ما هي قيمة هذه الأراجيف التي يرجف بها هؤلاء على الشيعة؟ وأنّ هذه الروايات الشاذّة التي لا يعوّل عليها قد رواها شاذّ من الفريقين.