أراد المرحوم المحدِّث النوريّ أن يثبت النقص في كتاب الله المنزل بستّة أدلّة. ويدحض وجود الزيادة والتغيير فيه ولو بكلمة واحدة. وكتابه ضخم جمع فيه أحاديث العامّة والخاصّة الواردة في هذا المقام: ولم يدّخر وسعاً في جمع الأحاديث والروايات. وعند ما عدتُ من النجف الأشرف وحدّثتُ استاذي آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه بخصائص الكتاب، ومطالعتي أيّاه، وكثرة الروايات الواردة فيه، قال: كُلَّمَا كَثُرَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ ازْدَادَ بُعْداً عَنِ الوَاقِعِ.
فهذه الروايات الكثيرة ينبغي أن تُأوّل، وإذا كانت غير قابلة للتأويل فهي مرفوضة بلا تأمّل. وكانت الأجزاء الثلاثة الأولى فقط من تفسير «الميزان» مطبوعة يومئذٍ. فوعد العلّامة أنّه سيتحدّث في المستقبل في الموضع المناسب عن عدم تحريف القرآن حديثاً وافياً حتى لو كان نقصاً. ووفى بوعده إذ رأينا في صفحات متقدّمة كيف فنّد أدلّة القائلين بالتحريف من خلال منطق قويّ وأثبت أنّ هذا القرآن الذي بأيدينا هو نفسه كتاب الله المُنزل من السماء، بلا تغيير.
وحدّثتُه ذات يوم بموضوع آخر يماثل الموضوع المتقدّم وقلتُ له: إنّ الشيخ محمّد تقي المحدِّث الشوشتريّ صاحب كتاب «قاموس الرجال» ألّف كتاباً في إثبات سهو الأئمّة عليهم السلام وخطأهم.
فقال على الفور: ليس لهذا الضرب من الكتب قيمة علميّة. فالإمام لا يخطئ.
قلتُ: جمع فيه أخباراً بعضها صحيحة السند.
قال: كيفما كانت فهي مرفوضة. إنّ الإمام لا يخطئ.
وكان المرحوم النوريّ كمؤلّف كتاب «الأخبار الدخيلة» ذا اتّجاه أخباريّ، ولم يألُ جهداً في الردّ على الكلام المعقول والحكمة والعرفان بأيّ وجه كان.
ولقد تردّى في الهاوية التي سقط فيها صاحب كتاب «دبستان المذاهب»، حيث أقحما نفسيهما في بحث وتنقيح وجرح وتعديل امور تفوق مستواهما علميّاً، فلهذا يُلاحظ أنّ هؤلاء الأخباريّين- الذين وضعوا أساس اجتهادهم وتحقيقاتهم وآرائهم على التعبّد بظاهر الأخبار دون تعمّق في المعنى- كم يشكّلون ضرراً على الإسلام وعلى المُطالِع لآثارهم! ولقد أثبت المرحوم النوريّ في كتابه الذي ألّفه في ترجمة سلمان الفارسيّ أفضليّة سلمان على أبي الفضل العبّاس عليه السلام!
إنّنا لا ننوي هنا الحديث عن هذه الامور، كما أنّ وقتنا لا يسمح لنا أنّ ننتقد آراء البعض؛ بَيدَ أنّي أكتفي بالقول: إنّ مؤلّف كتاب «فصل الخطاب»- المضرّ الذي لا قيمة علميّة له، والذي لا يتفق مع آراء أساطين المذهب كالشيخ الصدوق، والسيّد المرتضى، وشيخ الطائفة الحقّة المحقّة، وأمثالهم- هو نفسه مؤلّف الكتاب الذي يتحدّث فيه عن سلمان الفارسيّ ويثبت أفضليّته على قمر بني هاشم.
ألم يكن هناك من يقول لهؤلاء السطحيّين: مَن الذي أجلسكم مجلس الإخلاص والخلوص والولاية والشرف والإمامة، والجرح والتعديل، والجنّة والنار لتقضوا بأنّ مقام قمر بني هاشم دون مقام سلمان، وهو الذي يجب أن يتشرّف آلاف مثل سلمان بخدمة ضريحه وزوّاره، وتنظيف صحنه وأروقته؟! إنّ كتاب «فصل الخطاب» لا شأن له عند علماء الشيعة. وإنّه ليحوي آراء امرئ ناكبٍ عن الصراط. وما أكثر المعترضين عليه من المسلمين والشيعة الذين وجّهوا إليه اعتراضاتهم ولم يُحر جواباً.
وعند ما كنتُ اطالع هذا الكتاب في النجف الأشرف ذات يوم، زارني أحد العلماء الباحثين[1] آنذاك، فقال لي: ما هذا الكتاب الذي تطالعه؟!
قلتُ: «فصل الخطاب» للمرحوم المحدِّث النوريّ.
قال: دعه. ولا تُضيّع وقتك في مثل هذه الموضوعات! وحينما ألّف المرحوم النوريّ هذا الكتاب، كتب شيخ الإسلام في مصر رسالة إلى المرحوم المجدِّد آية الله العظمى الشيرازيّ قدّس سرّه طلب منه فيها قطع يده!
قلتُ: من الضروريّ للطالب الذي يروم الاجتهاد أن يطّلع على مضامين هذه الكتب. واليوم هو يوم الخميس، ويوم عطلة. وأنت تعلم أنّي لا أمضي أوقات دراستي في غير العلوم الحوزويّة.
قال: أجل! لا إشكال في ذلك إذاً.
[1] هو المرحوم عماد المحقّقين العظام آية الله الميرزا حسن البجنورديّ قدّس سرّه صاحب الكتاب المفيد الممتع: «القواعد الفقهيّة» الذي طُبع في سبعة أجزاء.