انزال الغيث بعد القنوط
قال تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 28، 29].
قال الشيخ الطوسي : قال {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا} أي ينزله عليهم من بعد أياسهم من نزوله ، ووجه إنزاله بعد القنوط أنه ادعى إلى شكر الآتي به وتعظيمه والمعرفة بمواقع إحسانه ، وكذلك الشدائد التي تمر بالإنسان ، ويأتي الفرج بعدها ، تعلق الأمل بمن يأتي به وتكسب المعرفة بحسن تدبيره في ما يدعو إليه من العمل بأمره والانتهاء إلى نهيه .
ونشر الرحمة عمومها لجميع خلقه ، فهكذا نشر رحمة اللّه مجددة حالا بعد حال . ثم يضاعفها لمن يشاء ، وكل ذلك على مقتضى الحكمة وحسن التدبير الذي ليس شيء لحسن منه وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ معناه هو الأولى بكم وبتدبيركم المحمود على جميع أفعاله لكونها منافعا وإحسانا « 1 ».
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : سئل عن السحاب ، أين يكون ؟ قال : « يكون على شجر كثيف على ساحل البحر يأوي إليه ، فإذا أراد اللّه أن يرسله ، أرسل ريحا فأثاره ، ووكّل به ملائكة يضربونه بالمخاريق ، وهو البرق ، فيرتفع » « 2 ».
وقال الشيخ الطوسي : وَمِنْ آياتِهِ أي من حججه الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه لا يقدر على ذلك غيره لما فيهما من العجائب والأجناس التي لا يقدر عليها قادر بقدرة وما بعث فيهما من دابة أي من سائر أجناس الحيوان وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ أي على جمعهم يوم القيامة وحشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم قادر ، لا يتعذر عليه ذلك « 3 ».
_______________
( 1 ) التبيان : ج 9 ، ص 162 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 276 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 323 ، ح 6 .