التعنت والبقاء على الضلالة
المؤلف:
الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
المصدر:
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( عليهم السلام )
الجزء والصفحة:
ج 7، ص 52-53.
2026-01-04
1177
التعنت والبقاء على الضلالة
قال تعالى : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } [الزخرف: 21، 27].
قال الشيخ الطبرسي : لما حكى اللّه سبحانه تخرص من أضاف عبادة الأصنام والملائكة إلى مشيئة اللّه ، قال : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً وهو استفهام بمعنى التقرير لهم على خطئهم ، والتقدير : أهذا الذي ذكروه شيء تخرصوه وافتعلوه ، أم آتيناهم كتابا . مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ أي مستمسكون بذلك . فإذا لم يمكنهم ادعاء أن اللّه تعالى أنزل بذلك كتابا ، علم أن ذلك من تخرصهم ، ودل أم على حذف حرف الاستفهام ، لأنه المعادل له . ثم أعلم أنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال : ليس الأمر كذلك {بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ } أي على ملة وطريقة . وقيل : على جماعة ، أي كانوا مجتمعين موافقين على ما نحن عليه {وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ} نهتدي بهداهم . ثم قال سبحانه : وَكَذلِكَ أي ومثل ما قال هؤلاء في الحوالة على تقليد آبائهم في الكفر ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد فِي قَرْيَةٍ ومجمع من الناس مِنْ نَذِيرٍ أي نذيرا ، لأن مِنْ زائدة . إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها وهم المتنعمون الذين آثروا الترفه على طلب الحجة ، يريد الرؤساء إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ نقتدي بهم ، فلا نخالفهم . وأحال جميعهم على التقليد للآباء فحسب ، دون الحجة والتقليد قبيح في العقول ، إذ لو كان جائزا لكان يلزم في ذلك أن يكون الحق في الشيء ونقيضه ، فكل فريق يقلد أسلافه مع أن كلا منهم يعتقد أن من سواه على خطأ وضلال ، وهذا باطل لا شبهة في بطلانه . فإذا لا بد من الرجوع إلى حجة عقلية أو سمعية . ثم قال سبحانه للنذير : {قالَ لهم أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ }تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ، ولا تقبلون ما جئتكم به . وفي هذا أحسن التلطف في الاستدعاء إلى الحق ، وهو أنه لو كان ما يدعونه حقا وهدى ، وكان ما جئتكم به من الحق أهدى منه ، كان أوجب أن يتبع ويرجع إليه .
ثم أخبر أنهم أبوا أن يقبلوا ذلك و قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أيها الرسل كافِرُونَ . ثم ذكر سبحانه ما فعل بهم ، فقال : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بأن أهلكناهم ، وعجلنا عقوبتم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أنبياء اللّه ، والجاحدين لهم ، وفي هذا إشارة إلى أن العاقبة المحمودة تكون لأهل الحق ، والمصدقين لرسل اللّه وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ حين رآهم يعبدون الأصنام والكواكب . إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء مِمَّا تَعْبُدُونَ ثم استثنى خالقه من جملة ما كانوا يعبدون ، فقال : إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي أي سوى اللّه الذي خلقني وابتدأني ، وتقديره : إلا من الذي فطرني . قال قتادة : كانوا يقولون اللّه ربنا مع عبادتهم الأوثان فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ إلى طريق الجنة بلطف من ألطافه.
وقيل : سيهديني إلى الحق بما نصب لي من الأدلة . وفيه بيان ثقته باللّه تعالى ، ودعاء لقومه إلى أن يطلبوا الهداية من عنده « 1 ».
______________
( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 75 - 76 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة