إنّ هذه التغييرات والتحريفات التي قام بها عُمَر في الشريعة المحمّديّة كانت غير صحيحة. وعلى فرض اختياره للخلافة وحكومته الشعبيّة كما يظنّ العامّة، فإنّ تلك الممارسات لا تقبل منه.
ولم ينه عمر عن متعة الحجّ فحسب، بل ونهى عن متعة النساء وقال: من تزوّج امرأةً إلى أجل، أجريت عليه الحدّ.[1] أي: أنّه يجري حدّ الزنا على من يتمتّع بالنساء تمتّعاً شرعيّاً. وله في كثير من الامور الاخرى ممارسات مناهضة للشريعة، وهي مدوّنة في الكتب المفصّلة للشيعة والعامّة.
وتسلّم عثمان مقاليد الامور تأسّياً بسنّة أبي بكر وعمر. فعند ما لم تثمر المناقشات والمباحثات التي دارت في الشورى المرشّحة من قِبَل عمر بعد مضى ثلاثة أيّام، عرض عبد الرحمن بن عوف على أمير المؤمنين عليه السلام أن يبايعه على أن يعمل بكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر [فأبي الإمام] فقال: بل على العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله واجتهاد رأيي.
فعدل عنه إلى عثمان وعرض عليه ذلك فقال: نعم! فبايعه ابن عوف، واختاره للخلافة وفقاً لهذا الأصل.[2]
ولهذا نرى عثمان في أيّام حكومته قد احترم ما أحدثه أبو بكر وعمر في الشريعة من مخالفات، وأيّد أحكامهما المختلقة. وكذلك كانت سجيّة معاوية بن أبي سفيان وباقي خلفاء بني اميّة فإنّهم كانوا يحترمون سيرة الشيخين؛ بينما لا نجد محملًا صحيحاً لذلك من منظار البحث العقليّ والنقليّ.
إنّنا نعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه لأنّنا نعتبرهما معصومين من الخطأ والانتهاك، وإلّا فما هو الدليل القاطع الذي يلزمنا أن نبنى كسبنا وعلمنا وعبادتنا ونكاحنا وجهادنا وامورنا الإجتماعيّة إلى يوم القيامة وبدون حجّة قاطعة على مبدأ ليس له ركيزة قويّة راسخة؟
ما هو المبرّر لممارسات عمر، وهو لم يكن معصوماً، ولم يرد في كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله ما يجيز عمله! إذن بأي حق تصرف هكذا؟ وإذا كان تصرّفه معتمداً على دليل هو يعرفه! لكن بالنسبة لنا ما هو دليلنا العقلي والشرعي الذي يجيز لنا اتباعه إلى يوم القيامة؟ واحترام أمره ونهيه وإعطاء تشريعة قيمة واعتباراً مقابل كتاب الله وتشريع رسول الله صلّى الله عليه وآله ونعتبر ذلك قاعدة من قواعد الدين؟!.
وحتّى لو كانت لعمر حكومة شرعيّة، وكان وليّ الأمر على أساس الواقع والحقيقة، فإنّ ذلك يرتبط بعصره، وينبغي أن تطبّق أوامره ونواهيه في زمانه، لا أن تبقى نسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وجيلا بَعْدَ جِيلٍ إلى الأبَدِ.
هذه طامّة كبرى قد ابتلى بها إخواننا العامّة. وليت شعري ما هو الدافع لهم على أن يثقلوا كواهلهم بهذه الأعباء والأوزار والمتاعب؟ ولم يقوموا بالتلبية والحجّ؟ إن كان ذلك من أجل اتّباع الحقّ والحقيقة، وأمر الله وكتابه وسنّة رسوله، فقد علمنا أنّة ليس كذلك.
وإن كان تطييباً لخواطر عمر وغيره من الحكّام، فعلينا أن نعلم أنّه خطأ لا يغتفر، وسيشملهم قوله تعالى: {وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}.[3]
إن كتاب الله وسنّة رسوله أصلان من اصول العمل بالدين؛ وإقحام سيرة الشيخين وسنّة عمر يمثّل نسخاً للقرآن والشريعة المحمّديّة، وإدخالًا للباطل وتضعيفاً للكتاب. وخلافنا نحن الشيعة مع إخواننا العامّة هَدَاهُمُ اللهُ إلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ والنَّهْجِ القَوِيمِ هو أنّنا نجعل كتاب الله وسنّة رسوله والمعصومين محوراً وأساساً للدين والاستنباط، بَيدَ أنّهم يلحقون بهما سيرة الشيخين؛ وبالتالى فإنّ مبادئهم المستنبطة مستمدّة من أفكار الشيخين وآرائهما.
ومن الضروريّ هنا أن نذكر نكتة تتمثّل في أنّ العامّة يعتبرون أمير المؤمنين عليه السلام خليفة رابعاً بدون أيّ إشكال. ويطلقون على الخلفاء الأربعة: الخلفاء الراشدين. ويحقّ لنا أن نقول هنا متسائلين: ما هو الدليل الذي يلزمكم بالعمل بسيرة الشيخين ولا يلزمكم بالعمل بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام؟ أ لم يكن خليفتكم المنتخب بالحقّ؟ لما ذا تعرضون عن سنّته ولا تعملون بها؟ وقد جاء في كتبكم المعتبرة كلّها أنّه كان يجيز المتعة، وقد أفتى بإباحة الزواج المؤقّت علناً، وكان يأمر بحجّ التمتّع جهاراً، فَلِمَ لا تقدّمون سنّته وسيرته على سنّة الآخرين وسيرتهم؟ وعلى فرض تعارضها مع سيرة عمر وأبي بكر وتساقط السيرتين من الحجّيّة، بَيدَ أنّ الأصل هو الرجوع إلى الكتاب والسنّة، وهو ما يمثّل- بالتالى- فقه أهل البيت عليهم السلام. وقد آن الأوان لإخواننا العامّة أن يرجعوا إلى تأريخهم ويسبروا زواياه وحناياه بالفكر والتأمّل، والدراية والتدبّر. ويفرزوا بالجرح والتعديل ما اضيف إلى الدين ووضع فيه، ويعملوا وفقاً لما يتطلبّه الواقع ومتن الحقّ.
ومن المناسب هنا أن نذكر حكايتين: الاولى: جاء في «الدرّ المنثور»: أخرج البخاريّ، ومسلم عن أبي حمزة قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة، فأمرني بها. وسألته عن الهَدْي، فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم! قال: وكان ناس كرهوها، فنِمت، فرأيت في المنام كأنّ إنساناً ينادي: حَجٌّ مَبْرُورٌ ومُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فأتيت ابن عبّاس، فحدّثتُهُ، فقال: اللهُ أكْبَرُ، سُنَّةُ أبي القاسِمِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ.[4]
الثانية: نقل عن الراغب الإصفهانيّ في كتابه: «المحاضرات» وهو من الكتب المفيدة، أنّه قال: سأل يحيي بن أكثم شيخاً من أهل البصرة فقال له: بمن اقتديت في جواز المتعة؟ فقال الشيخ: بعمر بن الخطّاب. فقال له: كيف وعمر كان من أشدّ الناس فيها؟
قال [الشيخ]: نَعَمْ، صَحَّ الحَديثُ عَنهُ أنَّهُ صَعَدَ المِنْبَرَ فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! مُتْعَتانِ أحَلَّهُمَا اللهُ ورَسُولُهُ لَكُمْ؛ وأنَا احَرِّمُهُمَا عَلَيْكُمْ واعَاقِبُ عَلَيْهِمَا. فَقَبِلْنَا شَهَادَتَهُ؛ ولَمْ نَقْبَلْ تَحْرِيمَهُ.[5]
[1] «الميزان» ج 2، ص 91، نقلًا عن «سنن البيهقيّ».
[2] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة، سنة 1385 هـ، ج 1، ص 188 و194.
[3] الآية 14، من السورة 35: فاطر.
[4] تفسير «الدرّ المنثور» ج 1، ص 216 و217.
[5] «أصل الشيعة واصولها» الطبعة العاشرة، ص 178.