فقد جاء في «الدرّ المنثور» قوله: أخْرَجَ البُخَارِيّ والبَيْهَقِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَاجِّ؛ فَقَالَ: أهَلَّ المُهَاجِرُونَ والأنصَارُ وأزْوَاجُ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ في حِجَّةِ الوَدَاعِ وأهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ: "اجْعَلُوا إهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي. فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ وأتَيْنَا النِّسَاءَ ولَبِسْنَا الثِّيَابَ.
وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإنَّهُ لَا يُحِلُّ حتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. ثُمَّ أمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ؛ فَإذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، وقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وعَلَيْنَا الْهَدْيُ كَمَا قَالَ اللهُ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ} إلَى أمْصَارِكُمْ، والشَّاةُ تُجْزِئُ، فَجَمَعُوا نُسْكَيْنِ في عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّ اللهَ أنْزَلَهُ في كِتَابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وأبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ اللهُ تعالى: {ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}.
وَأشْهُرُ الحَجِّ التي ذَكَرَ اللهُ: شَوَّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ؛ فَمَنْ تَمَتَّعَ في هَذِهِ الأشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أوْ صَوْمٌ. والرَّفَثُ: الجِمَاعُ، والفُسُوقُ: المَعَاصِي، والجِدَالُ: المِراءُ".[1]
وذكر في تفسير «الدرّ المنثور» أيضاً: أخْرَجَ البُخَارِيّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ، في حِجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ، وأهْدَي فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبَدَأ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ، فَأهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسلَّمَ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ؛ فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَى، فَسَاقَ الهَدْيَ، ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهْدَى فَإنَّهُ لَا يُحِلُّ لِشَيءٍ حُرِّمَ مِنْهُ حتّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ أهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحلِّلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ، فَمَن لَمْ يَجِدْ هَدْيَاً فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ".[2]
لا يخلو هذا الحديث من اضطراب وتشويش عند ملاحظة صدره الذي يدلّ على أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أدّى حجّ التمتّع، ولكن عند ما نلاحظ ذيله، الذي ينصّ على أنّ الذين لم يسوقوا معهم الهدي يجب أن يحُلّوا ثمّ يُلبّوا للحجّ، فإنّه صريح في استبدال التمتّع بحجّ الإفراد.
وجاء في «الدرّ المنثور» أيضاً: أخْرَجَ الحَاكِمُ وصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وعَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: قَالَ: كَثُرَتِ القَالَةُ مِنَ النَّاسِ، فَخَرَجْنَا حُجَّاجاً حتّى إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وبَيْنَ أنْ نُحِلَّ إلَّا لَيَالٍ قَلَائِلُ أمَرَنَا بِالإحلَالِ.
قُلْنَا: أيَرُوحُ أحَدُنَا إلَى عَرَفَةَ وفَرْجُهُ يَقْطُرُ مَنِيَّاً؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ فَقَامَ خَطِيبَاً فَقَالَ: "أ بِاللهِ تُعَلِّمُونِي أيُّهَا النَّاسُ؟! فَأنَا واللهِ أعْلَمُكُمْ بِاللهِ وأتْقَاكُمْ لَهُ. ولَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ هَدْيَاً ولَحَلَلْتُ كَمَا أحَلُّوا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ؛ ومَنْ وَجَدَ هَدْيَاً فَلْيَنحَرْ. فَكُنَّا نَنْحَرُ الجَزُورَ عَنْ سَبْعَةٍ".
قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ رَسُولُ اللهَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ قَسَّمَ يَومَئِذٍ في أصحَابِهِ غَنَماً؛ فَأصَابَ سَعْدَ بْنَ أبِي وَقّاصٍ تَيْسٌ؛ فَذَبَحَهُ عَنْ نَفْسهِ.[3]
وجاء في «الدرّ المنثور» أيضاً: أخْرَجَ ابنُ أبي شَيْبَةَ والبُخَارِيّ ومُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ المُتعَةِ في كِتَابِ اللهِ؛ وفَعَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ؛ ولَمْ يَنْهَ عَنْهَا حتّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأيِهِ مَا شَاءَ.[4]
قال الاستاذ الأكرم العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في ذيل هذا الحديث بعد نقله لتلك الأحاديث في «تفسير الميزان»: وقد رُوِيَت الرواية بألفاظ اخرى قريبة المعنى ممّا نقله في «الدرّ المنثور».
وفي «صحيح مسلم» و«مسند أحمد» و«سنن النسائيّ» عن مطرف، قال: بعث إليّ عِمران بن حصين في مرضه الذي توفّى فيه، فقال: إنّي كنت محدّثك بأحاديث لعلّ الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشتُ، فاكتُم عَلَيّ! نبيّ الله، قال رجل فيها وإن مُتُّ، فحدّث بها عنّي! إنّي قد سُلِّمَ عَلَيّ.
واعلم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد جمع بين حجّ وعمرة، ثمّ لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنه برأيه ما شاء.[5]
وفي «صحيح الترمذيّ» أيضاً و«زاد المعاد» لابن القيّم: سُئِلَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، قَالَ: هي حَلَالٌ. فَقَالَ السَّائِلُ: إنَّ أبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا!
فَقَالَ: أرَأيْتَ أنْ كَانَ أبي نَهَى وصَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ؛ أأمْرُ أبِي مُتَّبَع أمْ أمْرُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أمْرُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ.
فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَها رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ.[6]
وفي «صحيح الترمذيّ» و«سنن النسائيّ» و«سنن البيهقيّ» و«موطَّأ مالك» وكتاب «الامّ» للشافعيّ، عن محمّد بن عبد الله أنّه سمع سعد بن أبي وقَّاص، والضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضحّاك: لا يصنع ذلك إلّا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئسما قلت يا بن أخي! قال الضحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب نهى عن ذلك. قال سعد: قد صنعها رسول الله وصنعناها معه.[7] قال: وفي «الدرّ المنثور»: أخرَجَ البُخَارِيّ ومُسْلِمٌ والنسَائِيّ عَنْ أبي موسى، قَالَ: قَدِمْتُ على رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ وهُوَ بِالبَطْحَاءِ، فَقَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ: أهَلَلْتَ؟ قُلْتُ: أهْلَلْتُ بِإهْلَالِ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ.
قَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْي؟! قُلْتُ: لَا. قَالَ: "طُفْ بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ حِلّ". فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ أتَيْتُ امْرَأةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي رَأسِي وغَسَلَتْ رَأسِي، فَكُنْتُ افْتِي النَّاسَ في إمَارَةِ أبِي بَكْرٍ وإمَارَةِ عُمَرَ، فإنّي لَقَائِمٌ بِالمَوسِمِ إذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثَ أمِيرُ المؤمِنِينَ في شَأنِ النُّسْكِ؟ فَقُلْتُ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كُنَّا أفْتَيْنَاهُ بِشَيءٍ فَلْيَتَّئِدَّ! فَهَذَا أميرُ المُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ؛ فبِهِ فَائتَمُّوا! فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ يا أميرَ المُؤْمِنِينَ! مَا هَذَا الذي أحْدَثْتَ في شَأنِ النُّسُكِ؟! قَالَ: "أنْ نَأخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإنَّ اللهَ قَالَ: {وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، وأنْ نَأخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ، لَمْ يُحِلَّ حتّى نَحَرَ الهَدْيَ".[8]
والنتيجة الحاصلة في هذا الموضوع وما يستفاد من هذه الروايات والروايات المماثلة التي سيأتي بعضها، وما يفيده النصّ القرآنيّ الصريح هو وجوب التمتّع في الحجّ الواجب لمن كانوا بعيدين عن المسجد الحرام، إذ يحرمون في البداية بإحرام العمرة، ثمّ يحلّون في مكّة بعد الطواف والسعي والتقصير؛ وبعد ذلك يحرمون من مكّة للحجّ ويتمّون حجّهم. فيؤدّون عمرة وحجّة تامّتين بنيّتين وإحرامين مستقلّين وذلك في سفرة واحدة إلى بيت الله الحرام أيّام الحجّ. ودخلت العمرة في الحجّ حتّى كأنّ إحلالًا وتمتّعاً قد تحقّقاً أثناء فريضة الحجّ، ولذلك أطلقوا على هذا الحجّ: حجّ التمتّع.
وقد ألغى عمر هذا الحكم أيّام حكومته، وأمر بترك العمرة في أشهر الحجّ، والإحرام للحجّ من الميقات فقط بلا تمتّع، والإحرام من الميقات، وأداء العمرة مستقلّة في الشهور الاخرى من السنة. فينحصر الحجّ في حجّ الإفراد، وحجّ القِران. وفي هذه الحالة يعود الحجّ إلى كيفيّته السابقة التي كانت سائدة بين العرب في العصر الجاهليّ بقيّة من سنّة إبراهيم عليه السلام. وبصورة عامّة، فإنّ حجّ التمتّع، ونسخ الحجّ السابق بالنسبة إلى الأشخاص البعيدين، والتعليمات النبويّة الجديدة في حجّة الوداع، ونزول جبرئيل على المروة، وإنزال قوله تعالى: {ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}، وخطب النبيّ المتكرّرة في مكّة، واعتراضه الشديد على من خالف تعاليمه في هذا المجال، كلّ ذلك قد ضاع سدىً.
[1] «تفسير الدرُّ المنثور» ج 1، ص 215.
[2] تفسير «الدرّ المنثور» ج 1، ص 216.
[3] تفسير «الدرّ المنثور» ج 1، ص 217؛ وذكر ابن سعد في طبقاته مثل هذا الحديث عن جابر، ج 2، ص 187.
[4] تفسير «المصدر السابق» ص 216.
[5] «تفسير الميزان» طبعة دار الكتب الإسلاميّة بطهران، سنة 1393، ج 2، ص 89.
[6] «نفس المصدر السابق»
[7] «نفس المصدر السابق»
[8] «تفسير الميزان» ج 2، ص 90؛ وتفسير «الدرّ المنثور» ج 1، ص 216.