كان الحجّ يقام في فترة معيّنة، وكان الحجّاج يُحْرِمُونَ من مكان خاصّ يدعي الميقات. ويتوجّهون إلى مكّة وأطرافها لأداء المناسك؛ فإن ساقوا معهم الهدي ونحروه في مِنى، كان حجّهم حجّ قِران، وأمّا إن لم يسوقوا معهم الهدي، فيكون حجّهم حجّ إفراد. وأمّا حجّ التمتّع فلم يعهده المسلمون ولم يألفوه من قبل. فهو ممّا جاء به الإسلام، إذ نزل جبرئيل بوحي من الباري تعالى ليبيّن حدوده ومواصفاته. وهو ممّا نطق به القرآن. ولذلك أدّى إلى استغراب كثير من المسلمين ودهشتهم إذ تساءلوا قائلين: كيف يمكن التمتّع أيّام الحجّ؟
ومن الطبيعيّ أنّ هذا الاستغراب ناتج عن ما ألفته نفوسهم من حجّ القِران وحجّ الإفراد، إذ يحرم الحاجّ من الميقات ويأتي مكّة، فيبقى على الإحرام واجتناب مخيط الثياب، وعدم استعمال العطر، وعدم التمتّع بالنساء ومحرّمات الإحرام الاخري. حتّى يذهب إلى عرفات والمَشْعر في مني، ويؤدّي المناسك.
بَيدَ أنّ المسألة تختلف تماماً في حجّ التمتّع، إذ يدخل الحاجّ مكّة، ويؤدّي العمرة، ثمّ يُحِلّ؛ أي: يخرج من لباس الإحرام، ويستعمل العطر، ويتمتّع بالنساء، ويمارس محرّمات الإحرام الاخرى، إلى أن يحين وقت الحجّ، فينوي لأداء الفريضة، ويحرم لها ويلبّي، ويعود إلى الإحرام مرّة ثانية ويمتنع عن اللذّات والمشتهيات المحظورة على المحرم.
وأمّا في حجّ القِران والإفراد فإنّ المحرم يبقى أشعث الشعر، مغبرّ الجسم طيلة فترة الإحرام، ولكنّه يحلّ في حجّ التمتّع. ويستمتع بجميع التمتّعات مدّة في مكّة وهو في حالة اعتياديّة؛ ثمّ يحرم مرّة اخرى. ولهذا فإنّ العرب الذين دأبوا على السنن السابقة ظنّوا أنّ التمتّع بين الإحرامين صدعاً في الحجّ، وكأنّهم خالوه نقصاً وخللًا في أركانه. وتوهّموا هذا التمتّع مغايراً لحقيقة الحجّ، وذلك على أساس ما عرفوه عن الحجّ أيّام الجاهليّة، ولهذا أعلنوا عن اعتراضهم.
ونحن نعلم أنّ هذا الاعتراض ليس في موضعه، لأنّ تشريع العبادات وكيفيّة المناسك، وإقحام الظروف، أو تحديد الحواجز والعقبات، كلّ ذلك بِيَدِ الله الذي عيّنه للناس بواسطة الوحي وإنزال الكتاب، وإرسال النبيّ. وأساساً فإنّ الإنسان أيّاً كان، ومهما كان علمه وقدرته لا يستطيع أن يضع للناس أحكاماً ما لم يتّصل بعالم الغيب، ويتلقّ الأحكام الإلهيّة من المصادر العالية بقلبه وبلا شائبة وتدخّل نفسانيّ من لدنه، ولا سيّما إذا كانت تلك الأحكام مرتبطة بالعبادات والعلاقات القلبيّة للناس بربّ العالمين.
الأحكام بِيَدِ الله، وتُبيَّن للناس على لسان نبيّه؛ ونَسْخ الأحكام بِيَدِ الله أيضاً؛ لأنّ نسخ الحكم هو حكم جديد لا بدّ أن يضعه الله.
وحكم الإسلام يستهدي بسنّة إبراهيم الخليل حتّى حانت السنة التي كانت فيها حجّة الوداع، أعني بذلك أنّ الحجّ كان مقتصراً على حجّ القران وحجّ الإفراد، بَيدَ أنّ هذا الحكم في حجّة الوداع كان خاصّاً بمن كانوا قريبين من المسجد الحرام، ولهم حكم أهله، ويعتبرون مع قبائلهم في حكم حاضري المسجد الحرام. ويقصد منهم أهالى مكّة نفسها والحرم والقرى والقصبات القريبة حتّى ستّة عشر فرسخاً المعادلة لثمانية وأربعين ميلًا، فهؤلاء على ما كانوا عليه سابقاً. وأمّا البعيدون عن هذه المسافة، فقد تغيّر الحكم في الحجّ الواجب طبعاً، وتبدّل بحجّ التمتّع. وجاء جبرائيل بالآية القرآنيّة الخاصّة به ورسول الله على المروة، فتلاها على الناس بعد السعي.