نقل ابن عساكر هذه القصّة في «تاريخ دمشق» الجزء الأوّل من ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ص 387 و388 تحت الحديث المرقّم 493، وذكر هذا الحديث بعينه نقلًا عن أبي سعيد الخدريّ (سعد بن مالك) وقال في آخر كلامه: قال رسول الله: "يَا سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْن الشَّهِيدِ! مَهْ بَعْضَ قَوْلِكَ لأخِيكَ عَلِيّ، فَوَ اللهِ إنَّهُ أخْشَنُ في سَبِيلِ اللهِ!"
ونقل الدهلويّ هذا الحديث في كتاب «إزالة الخفاء» بالتعبير الآتي: أخْرَجَ أبُو عَمْرو، عَنْ إسحاقَ بنِ كَعبِ بنِ عُجْرَةَ، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ: "عَلِيّ مَخْشُوشٌ في ذَاتِ اللهِ".[1]
وبعد أن نقل ابن كثير هذه القضيّة عن البيهقيّ، وذكر تقسيم الحلل اليمانيّة عند غياب أمير المؤمنين، قال: «هذا السياق أقرب من سياق
البيهقيّ، وذلك أنّ عليّاً سبقهم لأجل الحجّ، وساق معه هدياً، وأهلّ بإهلال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأمره أن يمكث مُحْرِماً»[2]
ولكن ينبغي العلم أنّ ما ذكرناه من مجيء أمير المؤمنين عليه السلام إلى مكّة ورؤيته الزهراء عليها السلام بلباس صبيغ، وعطر، وكحل، وذهابه إلى رسول الله سائلًا عن ذلك، كلّ اولئك يدلّ على أنّ أوّل لقاء بين رسول الله وأمير المؤمنين بعد سفرة اليمن كان في مكّة. وهذا يغاير ما ذكره الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ من حديث عِكْرَمة عن ابن عبّاس بقوله: إنَّ عَلِيَّاً تَلَقَّي النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ إلَى الْجُحْفَة.[3] وكذلك ما ذكره الشيخ المفيد في «الإرشاد»، قائلًا: فلمّا قارب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى مكّة من طريق المدينة، قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن، وتقدّم الجيش للقاء النبيّ، فلمّا رآه قال له: «أقم على إحرامك وعُدْ إلَى جَيْشِكَ فَعَجِّلْ بِهِمْ حتّى نَجْتَمِعَ بِمَكَّةَ إن شَاءَ اللهُ».[4]
إنّ عليّ بن أبي طالب رجل الحقّ والعدالة؛ لذلك لم يرق له أن تهدر حقوق الآخرين ولو قيد انملة؛ وأمّا الناس فهم غافلون عن هذه الالتفاتات الدقيقة والمركّزة، إذ لا يرون التلاعب ببيت المال، والتصرّف بالحلل والإبل انتهاكاً، ويحسبون التزيّن محموداً حتّى لو كان على حساب حقّ الله وحقوق الضعفاء، ويرون عكس ذلك مذموماً.
وأمّا عليّ، فليس من شيمته التنازل عن العدالة المحضة، ومداهنة جيشه في التصرّف بالأموال، لأنّ في هذا النهج ظلماً تسري عدواه تدريجيّاً فتتّسع دائرته ويسفر عن ظلم أكبر كظلم الخلفاء الآخرين.
ولو تقصّينا في الأمر مليّاً فسنجد أنّ شكوى الناس من أمير المؤمنين عليه السلام نابعة من قصورهم الحضاريّ وجدبهم الفكريّ. ودأب الناس على الامتعاض من كلّ ما لا يتماشى مع أذواقهم الشخصيّة حتّى لو ارتكز على الواقع وانسجم مع الحقيقة. وما وافق طباعهم واستجاب لمشتهياتهم النفسانيّة ولذّاتهم المادّيّة فإنّهم يرونه حسناً حتّى لو ارتكز على البطلان والإثم ومنطق القوّة، وعارض الحقّ والحقيقة.
[1] «إزالة الخفاء» ج 2، ص 265؛ طبعة باكستان سنة 1396 هـ.
[2] «البداية والنهاية» ج 5، ص 106.
[3] «البداية والنهاية» الطبعة الاولى بمصر، سنة 1351 هـ، مطبعة السعادة، ج 5، ص 168.
[4] «الإرشاد» للشيخ المفيد، الطبعة الحجريّة، ص 93 و94.