إن مخالفة بعض الصحابة، الذين أرادوا البقاء في إحرامهم ونسكهم وعبادتهم شعث الشعور مغبرّين كرسول الله، أزعجت النبيّ وأغضبته كثيراً حتّى بان الغضب على وجهه. إذ لم يتوقّع صلّى الله عليه وآله وسلّم من ذوي السابقة في الصحبة أن يخالفوه، ولا سيّما في أمر عباديّ بعد ثلاث وعشرين سنة من العناء والمشقّة، والتشريد والمكابدة، وتجرّع الغصص والمرارات والمصائب؛ وهل العبادة أمر شخصيّ اجتهاديّ حتّى يحلو للإنسان أن يزيد فيه أو ينقص منه كما يهوي، أو يبدّل شاكلته كما يشتهي؟ إنّ تشريع العبادة يجانب الصواب، ولا يحمد ما لم يكن متّصلًا بالمبدأ الأعلى؛ لا سيّما إذا كان اجتهاداً في مقابل القرآن، والنصّ النبويّ الصريح الذي تجسّد في خطبتيه اللتين تكفّلتا بتبيان الموضوع، وتصريحه عليه وعلى آله الصلاة والسلام أنّه لم يستبدل العمرة بالإحرام للهدي، وإلّا لأحلّ من إحرامه مماشاة لهم، ونظراً لأفضليّة المتعة.
وتحرّك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بعد سعيه، ونزل «الأبْطَح» وهي أرض رمليّة في شرق مكّة، ولم ينزل في منازل مكّة. وكانت إقامته في «الأبطح» قبل أن يتحرّك إلى عرفات، بقيّة يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء.
حتّى أنّه صلّى صلاة الصبح مع أصحابه في «الأبطح» يوم الخميس الثامن من ذي الحجّة وهو يوم التَّرْوِيَة؛ ولم ينزل في مكّة طيلة تلك الأيّام قطّ، ولم يرجع من مكانه إلى بيت الله.[1]
وذكرنا في الدرس السادس والسبعين إلى الدرس الثامن والسبعين من دروس هذا الكتاب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان غير موجود في المدينة عند ما قصد رسول الله حجّ بيت الله الحرام، وذلك أنّه كان مبعوثاً من قبل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لدعوة أهل اليمن إلى الإسلام، وعزل خالد بن الوليد، وأخذ خمس الغنائم التي كانت بيد خالد، وكذلك الغنائم والأخماس الاخرى. وكان قد اشخص إلى هناك على رأس جيش يضمّ ثلاثمائة من المسلمين. وبعد أداء مهمّته في اليمن تلقّي كتاباً من رسول الله يخبره فيه بعزمه على الحجّ،[2] ويطلب منه التوجّه إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ.
فتحرّك أمير المؤمنين عليه السلام بنحو مكّة مع جيشه ومن التحق به من أهل اليمن، وكان معه خمس الغنائم الخاصّ برسول الله؛ إلّا أنّه أحرم قبل الجيش بقليل، وعجّل في قدومه إلى مكّة فرأى فيها السيّدة المخدّرة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين عليها السلام عقيلته وكريمة الرسول العظيم، فوجد فاطمة ممّن أحلّ ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا. فتشرّف بالمثول عند رسول الله، وذكر له إحلال الزهراء وطيبها وكحلها، فقال له: كما أخبرتك فاطمة.[3]
ثمّ بيّن له قصّة نزول الوحي، وتبديل حكم الحجّ من حجّ الإفراد إلى العمرة وحجّ التمتّع لمن ليس معه هدي. وسأله قائلًا: بِمَ أهْلَلْتَ يا عليّ؟ قال: بما أهلّ به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.[4] فقال رسول الله: فَهل معك من هدي؟! قال: لا.
فأشركه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى فرغا من الحجّ، ونحر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الهدي عنهما.[5]
وينبغي أن يعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يسق معه هَدْياً، ولكنّه أحرم- بنيّته- كإحرام رسول الله، ولذلك كان شريكه في الحجّ والهدي.
وأمّا ما ذكرته بعض السير والتواريخ أنّ أمير المؤمنين أتى بالإبل من اليمن، فإنّ هذه الإبل لرسول الله وليست لأمير المؤمنين، إذ كانت خمس النبيّ من الغنائم. ولذلك قال في «البداية والنهاية»: كان جماعة الهدي الذي جاء به على من اليمن، والذي أتى به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من المدينة، واشتراه في الطريق مائة من الإبل.[6]
فالمائة من الإبل كانت لرسول الله كما جاء في كثير من الروايات التي تنصّ على أنّ مع رسول الله مائة من الإبل. وأصبح أمير المؤمنين شريكاً لرسول الله في هذه الإبل. وهذه منقبة عظيمة جدّاً. ودرجة رفيعة لا تسامي إذ يشارك الإمام رسول الله في حجّه وهديه.
ومن هنا يمكن أن نفهم عدم وجود اختلاف بين الروايات التي تنصّ على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ساق مائة من الهدي،[7] والروايات التي تنصّ على أنّه ساق ثلاثاً وستّين بدنة، وأمير المؤمنين سبعاً وثلاثين بدنة،[8] أو أنّه ساق أربعاً وستّين، وأمير المؤمنين ستّاً وثلاثين،[9] أو أنّه ساق ستّاً وستّين، وأمير المؤمنين أربعاً وثلاثين.[10] فالمجموع الكلّيّ مائة في كلّ الأحوال، وقد نُحرت كلّها بمني. فما جاء به أمير المؤمنين من الهدي كان لرسول الله، ولذلك فالمائة من الهدي كانت كلّها لرسول الله. والعجيب هو اتّفاق الهدي الذي أتي به رسول الله مع الهدي الذي أتى به أمير المؤمنين، ومجموعه مائة بدنة. يقول ابن الجوزيّ: قال رسول الله لعليّ: "فَإنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تُحِلَّ. وكَانَ الذي قَدِمَ بِهِ عَلِيّ مِنَ الْيَمَنِ والذي أتَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ مِائَةً".
ونحر رسول الله [بيده المباركة] نيّفاً وستّين منها. ثمّ أعطى عليّاً نيّفاً وثلاثين.[11] وفهم البعض من هذا النحر أنّ الهدي كان لأمير المؤمنين. وهذا فهم غير صحيح، لأنّ النحر أعمّ من الملكيّة، مضافاً إلى ذلك، لو كان الهدي لأمير المؤمنين عليه السلام، فما معنى المشاركة في الهدي والحجّ؟ لقد ساق أمير المؤمنين عليه السلام الهَدْيَ معه وحجّه حجّ القِران، إذ ليس له حقّ النحر، وليس له أن يحلّ حتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، كسائر من ساقوا معهم هدياً.
والشيء اللطيف هنا هو أنّ أمير المؤمنين شريك رسول الله في حجّه وهديه، لأنّه أحرم كإحرام رسول الله وقال: "اللهُمَّ إنّي اهِلُّ بِمَا أهَلَّ بِهِ نَبِيُّكَ وعَبْدُكَ ورَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ".[12]
فأمير المؤمنين عليه السلام بقي على إحرامه وشارك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجّه مع أنّه لم يسق معه هدياً. ولعلّ في هذه المشاركة استجابة لدعاء رسول الله بحقّ سيّد عالم الولاية: "وَ أشْرِكْهُ في أمْرِي".[13] كدعاء موسى عليه السلام بحقّ أخيه هارون عليه السلام، إذ قال: "وَ أشْرِكْهُ في أمْرِي".
ومن لوازم وضروريات الإشراك في الأمر هو المشاركة في الحجّ والهدي وميزاتهما المعنويّة.
وكان من جملة من لم يسق الهدي أبو موسى الأشعريّ، فإنّه لمّا قدم من اليمن قال له: بِمَ أهْلَلْتَ؟ قال: "أهْلَلْتُ كَإهْلَالِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم!" قال له: هل معك من هديٍ؟ قال: قلت: لا. فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة ... وأحلّلت، أي بعد الحلق والتقصير.[14] فَلِمَ لَمْ يشركه رسول الله في حجّه وهديه؟ وأمره بالإحلال؟ إنّها ميزة وفضيلة اختصّ بها ليث الإيمان ومحور الولاية والإيقان، أعني: عليّ بن أبي طالب، وأنَّي لَهُمْ ذَلِكَ؟ لقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام: الحقّ بجيشك، وائت بهم معك! لنجتمع كلّنا في مكّة إن شاء الله.
فودّع أمير المؤمنين عليه السلام رسول الله، وعاد إلى جيشه، فالتقاه قرب مكّة، فرأى أفراده قد كسوا الحلل اليمانيّة التي كانت معهم، وهي من حقّ رسول الله في الخمس والصدقات، فعزّ عليه ما رأى من التصرّف ببيت المال وحقوق المسلمين؛ وانتقد هذا العمل وقال لمن استخلفه عليهم: ما الذي حملك على أن تقسّم هذه الحلل بين جنودك قبل أن نأتي بها إلى رسول الله، وهي حقّ الله ورسوله والمسلمين، ولم آمرك بهذا؟!
فقال: طلبوا منّي ذلك، ورغبوا أن يتزيّنوا بارتدائها، ويُحرموا بها، ثمّ يرجعوها لي.
فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بنزع الحلل وإرجاعها في مكانها. فلمّا جاءوا إلى مكّة، وقد اضطغنت[15] قلوبهم على أمير المؤمنين، شكوه إلى رسول الله.[16]
[1] روى في «عيون أخبار الرضا» طبعة انتشارات جهان، ج 2، ص 84 الحديث 24 بسنده عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام قال: "إنَّ عَليّاً عليه السلام لم يبت بمكّة بعد إذ هاجر منها حتّى قبضه الله عزّ وجلّ إليه. قال: قلت له: ولم ذاك؟ قال: كان يكره أن يبيت بأرض قد هاجر منها". (و في نسخة: قد هاجر منها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم). وكان يصلّى العصر، ويخرج منها ويبيت بغيرها. وذكر هذه الرواية في «علل الشرائع» ص 452 إلّا أنه أتى بلفظ قد هاجر منها رسول الله. وجاء في «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 112، طبعة بيروت سنة 1379 هـ [فرغ رسول الله من حجّه] ولم ينزل مكّة. وقيل له في ذلك: لو نزلت يا رسول الله بعض منازلك! فقال: ما كنت لأنزل بلداً اخرجت منه.
[2] جاء في «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 93، [أنّ رسول الله قال لأمير المؤمنين: "بِمَ أهْلَلْتَ يَا علِيّ؟! فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّكَ لَمْ تَكْتُبْ لي إهلَالك ولَا عَرّفْتَنيه فَعَقْدتُ نِيَّتِي بِنيَّتِكَ فَقُلْتُ: اللهُمَّ إهْلَالًا كَإهْلَالِ نَبِيِّكَ"، ومن هذا يستنتج أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتب إلى أمير المؤمنين رسالة إلّا أنه لم يذكر فيها كيفية الإهلال.
[3] «سيرة ابن هشام» طبعة مصر، سنة 1383 هـ، ج 4، ص 1021؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 297؛ و«البداية والنهاية» طبعة مصر، سنة 1351 هـ، ج 5، ص 167؛ و«تاريخ الطبريّ» طبعة دار المعارف، ج 3، ص 148 و149؛ و«الوفاء بأحوال المصطفي» مطبعة الكيلاني، مصر، ج 2، ص 210؛ و«حبيب السير» ج 1، ص 410؛ و«روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، ج 2، حجّة الوداع؛ و«الكافي»، الفروع، ج 4، ص 249.
[4] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 297؛ و«الطبقات الكبرى» ج 2 ص 188؛ و«الكامل في التاريخ» ج 2، ص 302؛ و«مروج الذهب» طبعة دار الأندلس، ج 2، ص 290؛ واللفظ للسيرة الحلبيّة.
[5] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 1021؛ و«تاريخ الطبريّ» طبعة دار المعارف ج 3، ص 149، واللفظ للأوّل.
[6] «البداية والنهاية» الطبعة ج 5، ص 167 و168؛ و«الوفاء بأحوال المصطفي» ج 2، ص 211؛ واللفظ للأوّل.
[7] «الكافي» الفروع، الطبعة الحيدريّة، ج 4، ص 248؛ و«البداية والنهاية» الطبعة الاولي، مطبعة السعادة بمصر. ج 4، ص 188؛ و«السيرة الحلبيّة» طبعة محمّد على صبيح سنة 1353 هـ؛ ج 3، ص 303.
[8] «علل الشرائع» ص 413؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 297؛ و«الكافي» الفروع، ج 4، ص 249.
[9] «الكافي» الفروع، ج 4، ص 247.
[10] «الإرشاد» الطبعة الحجريّة ص 93؛ و«الكافي» الفروع، ج 4، ص 247؛ و«بحار الأنوار» طبعة الكمباني، ج 6، ص 663؛ نقلًا عن «علل الشرائع» و«تفسير الإمام»، و«الإرشاد»
[11] «إعلام الوري بأعلام الهدي» طبعة مطبعة الحيدري- طهران. ص 138؛ و«الكافي» الفروع، ج 4، ص 250؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 188؛ و«تاريخ اليعقوبيّ» طبعة دار صادر، بيروت، ج 2، ص 109؛ و«الوفاء بأحوال المصطفي» طبعة مصر، مطبعة الكيلانيّ، ج 1، ص 214.
[12] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 1021؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 296؛ و«إعلام الورى» ص 138؛ و«حبيب السير» ج 4، ص 410؛ و«روضة الصفا» ج 2، حجة الوداع. واللفظ للأوّلين.
[13] جاء في «تذكرة الخواصّ» الطبعة الحجريّة، القطع الرحليّ، لسبط ابن الجوزيّ، ص 14، عن أحمد بن حنبل في «الفضائل» بسنده عن أسماء بنت عميس، تقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وسلّم يقول: "اللهُمَّ إنِّي أقُولُ كَما قَالَ أخي موسى: واجْعَلْ لي وَزِيراً مِنْ أهْلِي عَلِيَّاً أشدُدْ بِه أزْري، وأشْرِكْهُ في أمْرِي كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ونَذْكُرَكَ كَثِيراً."
[14] «السيرة الحلبيّة» ج 5، ص 297؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 168.
[15] انطوت على الأحقاد.
[16] «البداية والنهاية» ج 5، ص 106، 208، 209؛ و«تاريخ الطبريّ» ج 3، ص 149.