اعترض بعض الصحابة قائلين: نَنْطَلِقُ إلَى مِنَى وذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ؟ وفي لفظ: وفَرجُهُ يَقْطُرُ مَنيَّاً؟ أي: قَدْ جَامَعَ النِّسَاءَ.[1]
وعن عائشة، قالت: دخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو غضبان. فقلت: من أغضبك يا رسول الله؟! أدخله الله النار! فَقَالَ: "أو ما شعائرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون".[2]
ويروي أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم بلغه تلك المقالة، قام خطيباً فَحَمِدَ اللهَ تَعَالى، فَقَالَ: "أمَّا بَعْدُ؛ فَتَعْلَمُونَ أيُّهَا النَّاسُ؟! لأنَا واللهِ أعْلَمُكُمْ بِاللهِ وأنْقَاكُمْ لَهُ؛ ولَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ هَدْيَاً ولَا حَلَلْتُ".[3]
وَفي رِوَايَةٍ قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً وقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ و[آلِهِ] وسَلَّمَ: "اقْبَلُوا مَا أمَرْتُكُمْ بِهِ، واجْعَلُوا إهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، فَلَو لَا أني سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذي أمَرْتُكُمْ بِهِ. فَفَعَلُوا وأهَلُّوا، فَفُسِخَ الْحَجُّ إلَى الْعُمْرَةِ".[4]
وَسأله سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنُ جُعْشُمِ الْكِنَانِيّ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَّعْتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أمْ لِلأبَدِ؟![5] فَشَبَّكَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ أصَابِعَهُ، فَقَالَ: "بَلْ لِلأبَدِ الأبَدِ دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ هَكَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وفي رواية: فَشَبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ وَاحِدَةً في اخْرَى وقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ هَكَذَا- مَرَّتَيْنِ- بَلْ لأبَدِ الأبَدِ".[6]
وجاء في «إعلام الورى»: قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيّ، وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ نَخْرُجَنَّ إلَى مِنَى ورُؤوسُنَا تَقْطُرُ مِنَ النِّسَاءِ؟! فَقَالَ: "إنَّكَ لَنْ تُؤمِنَ بِهَا حتّى تَمُوتَ".[7]
وجاء في «الإرشاد» للشيخ المفيد: ثمّ أمر مناديه أن ينادي: من لم يسق منكم هدياً فليحلّ وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه، فأطاع في ذلك بعض الناس وخالف بعض، وجرت خطوب بينهم فيه؛ وقال منهم قائلون: رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أشْعَثُ أغْبَرُ نَلْبَسُ الثِّيَابَ ونَقْرُبُ النِّسَاءَ ونُدَهِّنُ؟ وقال بعضهم أ مَا تَسْتَحْيُونَ؟ تَخْرُجُونَ ورُؤوسُكُمْ تَقْطُرُ مِنَ الْغُسْلِ ورَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ على إحْرَامِهِ؟! فَأنْكَرَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ على مَنْ خَالَفَ في ذَلِكَ؛ وقَالَ: "لَوْ لا أني سُقْتُ الْهَدْيَ لأحْلَلْتُ وجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيَاً فَلْيُحِلَّ". فَرَجَعَ قَوْمٌ وأقَامَ آخَرُونَ على الخِلافِ؛ وكَانَ فِيمَنْ أقَامَ على الخِلافِ لِلنَبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقَالَ لَهُ: "مَا لي أرَاكَ يَا عُمَرُ مُحْرِماً؟ أ سُقْتَ هَدْيَاً؟!" قَالَ: لَمْ أسُقْ.
قَالَ: "فَلِمَ لَا تُحِلُّ وقَدْ أمَرْتُ مَنْ لَمْ يَسُقْ بِالإحْلَالِ؟!" فَقَالَ: واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! لَا أحْلَلْتُ وأنْتُ مُحْرِمٌ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: "إنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِهَا حتّى تَمُوتَ". فَلِذَلِكَ أقَامَ على إنْكَارِ مُتْعَةِ الحَجِّ حتّى رَقَا المِنبَرَ في إمَارَتِهِ فَنَهى عَنْهَا نَهْيَاً مُجَدَّداً وتَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالعِقَابِ.[8]
[1] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 296؛ و«الطبقات» لابن سعد، طبعة دار صادر، بيروت ج 2، ص 187 و188؛ و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 95.
[2] المصدر السابق
[3] «الوفاء بأحوال المصطفى» ج 1، ص 210؛ وجاء في كتاب «حياة محمّد» طبعة مطبعة مصر، سنة 1354 هـ، تأليف محمّد حسنين هيكل، ص 460 و461: ثمّ نادى محمّد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي معه ينحره. وتردّد بعضهم فغضب النبيّ لهذا التردّد أشدّ الغضب وقال: ما آمركم به فافعلوه! ودخل قُبَّته مغضباً فسألته عائشة: من أغضبك؟ فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا يتّبع! ودخل أحد أصحابه وما يزال غضبان، فقال: من أغضبك يا رسول الله، أدخله الله النار! فكان جواب الرسول: أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم فيه يتردّدون؟ ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتّى أشتريه؛ ثمّ احلّ كما حلّوا؛ كذلك روى مسلم. فلمّا بلغ المسلمين غضب رسول الله حلّ الالوف من الناس إحرامهم على أسفٍ منهم.
[4] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 296؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 166؛ واللفظ للأوّل.
[5] نفس المصدر السابق، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 188؛ و«علل الشرائع» ص 414. وجاء في هذا الكتاب أنّ سراقة قال: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنَا دِينَنَا فَكَأنا خُلِقْنَا الْيَوْمَ ... إلي آخره؛ و«الكافي» المطبعة الحيدريّة، الفروع، ج 4، ص 249؛ و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 95.
[6] «المصدر السابق، و«الوفاء بأحوال المصطفي» ج 1، ص 210.
[7] «إعلام الوري» مطبعة الحيدري، طهران، ص 138؛ و«علل الشرائع» طبعة النجف المطبعة الحيدريّة، ص 413؛ و«الكافي» مطبعة الحيدري، طهران، الفروع، ج 4، ص 249، وكذلك ص 246.
[8] «الإرشاد» للشيخ المفيد، الطبعة الحجريّة، ص 94 و95؛ «بحار الأنوار» ج 6، ص 664، طبعة كمباني، عن «علل الشرائع» و«تفسير الإمام» و«الإرشاد».