عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسيّ في كتاب «الاحتجاج» في رسالة الإمام أبي الحسن الثالث: عَلِيّ بْنِ محَمَّد الهَادِيّ عليه السلام إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض: قال عليه السلام: اجتمعت الامّة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لَا تَجْتَمِعُ امتى على ضَلَالَةٍ". فأخبر عليه السلام أنّ ما اجتمعت عليه الامّة ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحقّ.
فهذا معنى الحديث لا ما تأوّله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، واتّباع أحكام الاحاديث المزوّرة، والروايات المزخرفة، واتّباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نصّ الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيّرات، ونحن نسألُ الله أن يوفّقنا للصلاة ويهدينا إلى الرشاد.
ثمّ قال عليه السلام: "فإذا شهد الكتاب بصدق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة من الامّة وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزوّرة، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب ضلالًا. وأصحّ خبر ممّا عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إِنِّي مُسْتَخْلِفٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَينِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي. مَا إن تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي وإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوْضَ".
واللفظة الاخرى عنه في هذه المعنى بعينه، قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي: أهْلَ بَيْتِي، وإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوضَ، مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا".
فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصّاً في كتاب الله، مثل قوله: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ}.
ثُمّ اتّفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام أنه تصدّق بخاتمه وهو راكع، فشكر الله ذلك له، وأنزل الآية فيه.
ثمّ وجدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أنابه من أصحابه بهذه اللفظة: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَن عَادَاهُ![1] وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "عَلِيّ يَقْضِي دَيْنِي، ويُنْجِزُ مَوْعِدِي، وهُوَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ بَعْدِي.
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين استخلفه على المدينة، فقال: "يَا رَسُولَ اللهِ! أ تُخَلِّفُنِي عَلى النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أ مَا تَرْضَى أن تكونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لا نَبِيّ بَعْدِي".
فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، وتحقيق هذه الشواهد فيلزم الأمّة الإقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن ووافق القرآن هذه الأخبار. فلمّا وجدنا ذلك موافقاً لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله موافقاً لهذه الأخبار، وعليها دليلًا كان الاقتداء فرضاً لا يتعدّاه إلّا أهل العناد والفساد.[2]
[1] ذكر المولي جلال السيوطيّ في تفسير «الدرّ المنثور» إحدي عشرة رواية بأسناد مختلفة في شأن نزول آية الولاية، وتصدّق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه. وقد خرّج الطبرانيّ في «الاوسط» وابن مَرْدَوَيْه عن عمّار بن ياسر ما جاء في ذيل إحداها قوله "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ"- تفسير «الدرّ المنثور» ج 2، ص 293 و294.
و ذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسير «جامع البيان عن تأويل آية القرآن» حول تفسير هذه الآية المباركة وشأن نزولها في على بن أبي طالب عليه السلام وتصدّقه بخاتمه خمس روايات عن السدّيّ، والإمام أبي جعفر عليه السلام، وعتبة بن حكيم، ومجاهد.- («تفسير الطبريّ»، الطبعة الثانية 1373، ص 288 وص 289 من الجزء السادس).
[2] «غاية المرام» ص 109، الحديث 18 عن الخاصّة، و«الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف، ج 2، ص 251 إلي ص 253، و«تفسير البرهان» ج 1، ص 295 الطبعة الحجريّة، و«تفسير الميزان» ج 6، ص 17 وص 18، و«بحار الأنوار» الطبعة الكمباني ج 8، ص 34.