يقول المرحوم العلّامة الأمينيّ في كتابه الشريف «الغدير» في كتاب زيد الزَّرَّاد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: "يَا بُنَيّ اعْرِفْ مَنَازِلَ شِيعَةِ عَلِيّ على قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ، فَإنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرَايَةُ لِلرِّوَايَةِ؛ وبِالدِّرَايَاتِ لِلرِّوَايَاتِ يَعْلُو الْمُؤمِنُ إلى أقْصَى دَرَجَةِ الإيمَانِ.
إنِّي نَظَرْتُ في كِتَابِ عَلِيّ عليهِ السَّلَامُ فَوَجَدْتُ فِيهِ: أنّ زِنَةَ كُلِّ امْرِيٍ وقَدْرُهُ مَعْرِفَتُهُ؛ أنّ اللهَ يُحَاسِبُ الْعِبَادَ على قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ".
وجاء في كتاب «غيبة النعمانيّ» ص 70 في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "خَبَرٌ تَدْرِيه خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ تَرْويهِ، أنّ لِكُلِّ حَقٍّ حقيقَةً ولِكُلِّ صَوَابٍ نُوراً".
وجاء في كتاب «كشف الغُمّة» للشعرانيّ ج 1، ص 40:
كَانَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: "كُونُوا لِلْعِلْمِ وُعَاةً! ولا تَكُونُوا لَهُ رُواةً".
أنّ ما يحكيه تأريخ الفلسفة هو أنّ الحكماء جميعاً إمّا كانوا يقولون بأصالة الوجود أو بأصالة الماهيّة؛ لأنّ لكلّ مذهب مناوئيه؛ وكلّ منهما يقيم الادلّة لصالحه ضدّ الآخر؛ ومع أنّ أصالة الوجود هذا اليوم أوضح من الشمس والحمد لله؛ إلّا أنّ الشيخ أحمد الاحسائيّ الذي درس الحكمة وحدها، ودوّخته الشبهات القويّة التي يطرحها الطرفان، قال: ما هو الإشكال المثار إذا كان كلا الاصالتين صحيحاً؟ أي أن يكون لاصلي الوجود والماهيّة في العالم أصالة وواقعيّة. وهذا الكلام على درجة من السخف عند الفلاسفة، بل وعند كلّ عاقل؛ بل وكلّ مجنون؛ بل وكلّ بهيمة همّها علفها- إذ أنّ النعجة ترى باقة العلف شيئاً واحداً لا شيئين- نعم، على درجة من السخف بحيث إنّه لا يستحقّ الذكر أبداً.
وحينئذٍ يشيعون اطروحاتهم من وحي هذا التفكير، ويوسّعون من دائرة أفكارهم ويبدءون بانتقاد الفلسفة والعرفان؛ ويقولون: لا وجود لفلسفة في القرآن وعلوم أهل البيت؛ والعرفان أمر مخترع مبتَدع ولا أساس له في الشريعة.
وينبغي أن نقول لهؤلاء المساكين من ذوي الأفق الضيّق: ألم يدعُ القرآن الكريم إلى التعقّل؟ ألم تدلّ الحكمة على طريق التعقّل، وتفرز الصواب من الخطأ؟ ثمّ ألم يدعُ القرآن الكريم إلى الحكمة؟ أَوليست الحكمة هي معرفة حقائق الأشياء وفقاً لوسع الإنسان وحجم استعداده؟
أَولم يدلّ العرفان على طريق شهود البأرى تعالى بالبصيرة وإدراك أسمائه وصفاته الحسنى؟ أولم يزخر القرآن الكريم وروايات أهل البيت بالدعوة إلى لقاء الله وتزكية النفس وتهذيبها وطيّ طريق الإخلاص والخلوص؟
فكيف يروق لنا- إذَن- أن نفصل الدين الذي يرتكز على التفكّر العقلانيّ والشهود الوجدانيّ عن هذين الأصلين الأصيلين والركنين الركينين؟! ثمّ نقول: حسبنا ظواهر الروايات؟