0

بمختلف الألوان
الطُّموحُ هُوَ أنْ يسعى الإنسانُ إلى مَعالي الأمورِ، وترقيةِ حالِهِ إلى حالٍ أفضلَ، والصعودُ مِن مرتبةٍ إلى مرتبةٍ أعلى، وتحقيقُ الأهدافِ المرجوَّةِ. ولتحقيقِ طُموحاتِكَ عليكَ باتّباعِ النصائحِ الآتية: ـ إنَّ الشخصَ الطَّموحَ تكونُ نظرتُهُ للحياةِ أكثرَ إيجابيّةٍ، ويكونُ ذا ثِقَةٍ عاليةٍ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
أثر عالم الميثاق في ائتلاف الأرواح وتناكرها: دراسة حديثية وتحليلية في ضوء المصادر والشواهد الرجالية لدى الإمامية

منذ 12 ساعة
في 2026/11/02م
عدد المشاهدات :13

تبقىّ النفس البشرية وما يكتنفها من مشاعر الانجذاب أو النفور الفوري تجاه الآخرين من أكثر الظواهر تعقيداً وغموضاً؛ إذ كثيراً ما يشعر الإنسان بالارتياح والسكينة تجاه شخص يراه للمرة الأولى، أو بالاستيحاش والفرار من آخر دون أي سابق معرفة أو سلوك مادي مبرر، وقد وضع النص الشريف قاعدة أصلية تفسر هذه الظاهرة غير الملموسة بإرجاعها إلى أصل الخلقة وعوالم ما قبل الدنيا: «إنَّ الأرواحَ جنودٌ مُجنَّدة، فما تعارفَ منها في الميثاقِ ائتلفَ هاهنا، وما تناكرَ منها في الميثاقِ اختلفَ هاهنا»، ويهدف هذا البحث إلى إضاءة التخريج الحديثي والرجالي لهذا النص من المصادر الشيعية، وتفكيك أبعاده اللغوية، والتفسيرية، والنفسية، فضلاً عن التحليل النصي والاستدلال الاستقرائي والربط العقدي بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ورد هذا المعنى في أمهات كتب الحديث عند الإمامية بأسانيد متعددة وتعبيرات متقاربة تركز على عنصر "الميثاق" أو "عالم الذر"، حيث روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع (ج1، ص84) وفي الأمالي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: «إنَّ الأرواحَ جنودٌ مُجنَّدة، فما تعارفَ منها في الميثاقِ ائتلفَ هاهنا، وما تناكرَ منها في الميثاقِ اختلفَ هاهنا»، كما أورد الشيخ الكليني في الكافي (ج2، كتاب الإيمان والكفر) عدة روايات تشير إلى تآلف الأرواح وتعارضها بناءً على طينتها وعالم الميثاق، وجمع العلامة المجلسي أصول هذه الأخبار في بحار الأنوار (ج58/ج61) ضمن أبواب طينتهم وأرواحهم عليهم السلام وأرواح الناس وعوالم خلقها مؤكداً استفاضة النصوص الرابطة بين التعارف في عالم الذر والتآلف في الدنيا، وبالنظر الحديثي والرجالي في أسانيد الرواية، فقد أورد الصدوق الحديث بسندٍ متصل يضم أعلاماً من المحدثين مثل أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ويعتبر هذا السند عند علماء الرجال والنقاد كالمجاشي والطوسي من الأسانيد العالية الصريحة لوجود أصحاب الإجماع وابن أبي عمير الذي لا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة، مما يضفي على متن الحديث صحة واعتباراً وثباتاً وفق القواعد الرجالية الإمامية.
يحتوي النص على بلاغة نبوية وولائية عالية اعتمدت التشبيه المحكم لتقريب المعاني المعنوية، فكلمة "الجنود" جمع جند وهي الجماعة، و"المجندة" أي المجمعة والمصنفة أصنافاً وفئات، والمقصود أن الأرواح لم تُخلق شتاتاً عشوائياً، بل خُلقت على شكل مجموعات وطبائع متجانسة، والتعارف هو التآلف والإدراك المشترك، بينما التناكر هو الجهل والتباعد والاختلاف، والائتلاف هو الاجتماع والانسجام، والاختلاف هو النفور والمباعدة، وتشبيه الأرواح بالجنود المجندة يُعطي تصويراً بيانيا بليغاً؛ فالجيش يتكون من كتائب لكل كتيبة رايتها وطبيعتها ومهامها، وكذلك الأرواح تتجمع في كتائب معنوية بحسب صفاتها وطينتها، فإذا التقت الأرواح التي من كتيبة واحدة في الدنيا حصل التعارف والانسجام التلقائي.
تستوقف لفظة (في الميثاق) في الرواية الشارحين والمفسرين، حيث تدل على عالم سابق للوجود المادي الدنيوي وهو العالم الذي أخذ الله فيه العهد والميثاق على الخلائق بالربوبية وللنبي بالنبوة وللأوصياء بالولاية كما يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾، وقد انقسم العلماء في تفسيره إلى اتجاهين: اتجاه حقيقي يرى فيه جمع من الأعلام كالصدوق والمجلسي أن التعارف تم بشكل حقيقي في عالم سبق خلق الأبدان، حيث خُلقت الأرواح وصُنفت قبل الأجساد وما يحدث في الدنيا هو مجرد تذكّر واستعادة لتلك المعرفة القديمة، واتجاه تأويلي مجازي يرى فيه فريق من المتكلمين كالشيخ المفيد والسيد مرتضى أن الحديث يعبّر عن التشاكل والسنخية، أي أن الأرواح التي طُبعت على أخلاق وطبائع متشابهة في الميثاق تآلفت بفضل تلك السنخية والتشابه بينما المتباينة في الطبائع والصفات تتنافر في الدنيا.
ويتجلى التطبيق العقدي الأعظم لهذه القاعدة الشريفة في الرابطة والولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ إذ إن كل من كان له معرفة وعلاقة وسنخية مع علي بن أبي طالب في عالم الذر والميثاق عند أخذ العهد بالولاية، انطبعت روحه بتلك النورانية والتآلف، فيظهر أثر ذلك حتماً في عالم الدنيا على شكل حب وانجذاب وولاء وتظافر مع علي وأهله وشيعته استناداً لصريح النص: «فما تعارف منها في الميثاق ائتلف هاهنا»، فالولاء لعلي في الدنيا ليس مجرد فكرة مستحدثة طارئة، بل هو استجابة وتجلٍّ دنيوي لتلك المعرفة والتآلف والعهد القديم الذي أُخذ في عالم الذر؛ حيث تتجاذب الأرواح مع معدنها ونورها الشريف بفعل قانون السنخية والتعارف السابق.
يعتمد النص الشريف في تحليله الدلالي والبلاغي على هيكلية تفكيكية قائمة على التقابل والدلالة التركيبية؛ فصيغة الجمع بالتعريف في "الأرواح" استغرقت الجنس لتدل على شمول القاعدة لجميع النفوس، وإضافة الوصف "مجندة" إلى "جنود" أفادت المبالغة والتأكيد على التنظيم وأن النفوس مقسمة قبلياً، كما تدل صيغة "تَفاعَلَ" في "تعارف وتناكر" على المشاركة المتبادلة في ذلك العالم، وجاء "ائتلف واختلف" كأثر ومسبب حتمي عن الشرط، كما اعتمد النص البلاغي على أدوات الشرط لربط السبب بالمسبب مما يمنح المقولة طابع القانون السلوكي الثابت، يبرز فيه أسلوب المقابلة بين شطريه (تعارف مقابل تناكر، وائتلف مقابل اختلف، وفي الميثاق مقابل هاهنا) مما يخلق توازناً صوتياً ودلالياً يوضح الفارق الحاسم بين حالتي التوافق والنفور.
أما الاستدلال الاستقرائي فينطلق من تتبع الحالات السلوكية والوجدانية الجزئية الملاحظة لدى الأفراد للوصول إلى القاعدة الكلية للنص، حيث تُلاحظ الجزئية الأولى في انجذاب شخصين لبعضهما فور اللقاء الأول دون وجود مصلحة مادية أو تواصل فكري مسبق، وتُلاحظ الجزئية الثانية في الشعور بالثقل والتحفظ أو النفور الفوري بين أفراد آخرين رغم اتساق ظروفهم ومصالحهم الظاهرية، وتتضح الجزئية الثالثة في استمرار العلاقات وتعمقها بين أصحاب القيم والطبائع المتمثلة وتفكك العلاقات القائمة على المصالح المادية بمجرد زوالها، وبجمع هذه الحالات الجزئية واستقرائها، يُستنتج أن الموائمات السطحية المادية ليست المحرك الأساسي للروابط الإنسانية، بل يوجد سبب باطني سابق يفسر الظاهرة تنص عليه القاعدة الكلية للحديث بأن التآلف والانسجام في الدنيا إنما هو انعكاس لسنخية وتوافق روحي وُضع أصله في عالم سابق.
تتعدى هذه الرواية الشريفة حدود البعد العقدي واللغوي لتقدم تفسيراً عميقاً للظواهر النفسية والاجتماعية في حياتنا اليومية، فهي تفسر "الكيمياء البشرية" والاندماج السريع أو الارتياب المفاجئ بين شخصين بكونه نتيجة توافق في السنخية الروحية وليس أمراً عشوائياً، وتبين أن العلاقات القوية والدائمة لا تتأسس على المصالح المادية المتغيرة فحسب بل على التجانس الباطني فالصادق يحن إلى الصادق والطيب يميل إلى الطيب، كما يساعد هذا الفهم الإنسان على الاستقرار الاجتماعي وتقبل حقيقة أن بعض العلاقات قد لا تنجح رغم كل المحاولات المادية لأن أصل عدم التوافق يرجع إلى اختلاف عميق في الطبائع والأرواح.
خلص البحث إلى مجموعة من النتائج الأساسية؛ أولها أن حديث «الأرواح جنود مجندة...» بزيادة «في الميثاق» يمثل نصاً مأثوراً ومروياً في أمهات المصادر الشيعية كالكافي وعلل الشرائع بأسانيد رجالية صحيحة وموثوقة عند الإمامية تضم كبار أصحاب الإجماع كابن أبي عمير وجميل بن دراج، وثانيها أن الرواية تُظهر دقة اللفظ البلاغي والتحليل النصي في تشبيه النفوس بالكتائب المتجانسة التي تألف نظيرها وتنفر من أضدادها عبر أسلوب الشرط والمقابلة، وثالثها أن الاستدلال الاستقرائي والعقدي أثبت أن الانجذاب والولاء لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الدنيا إنما هو تطبيق حقيقي وانعكاس مباشر لسبق المعرفة والتآلف والعلاقة به في عالم الذر والميثاق، ورابعها أن النص يقدم قاعدة نفسية واجتماعية تؤكد أن أساس العلاقات الإنسانية المستقرة هو التوافق الروحي والأخلاقي الباطني وتشاكل الطبائع.
واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

اعضاء معجبون بهذا

قد يكون الفراق قرارنا ياجورجيو!!
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
في طفولتنا بكينا مع " جورجيو" في الفلم الكارتوني" نيلز" وكم كرهنا قسوة القائد "أكسا" الذي تخلی عن ربيبه، وتنازل عن أبوته تجاه " جورجيو" وكيف حلّق بعيدا مع سربه من دون الاكتراث بوجع "جورجيو" ومن دون الالتفات أو الإصغاء الی نداءاته المتكررة ولهفته! فلم تحركه صرخاته بكلمة: أبي أبي أبي أكسا... وقد اعترض"... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 1 اسبوع
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ 1 اسبوع
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...