0

بمختلف الألوان
تاهَ الخَلقُ في وادي الجَّهلِ والضَّلالِ والعَمى، فبعثَ اللهُ سبحانَهُ حبيبَهُ محمّد، ليكونَ مُبشِّراً ومُنذِراً ومُخَلِّصاً لهُم مِن براثنِ الشِّركِ والظُّلمِ والفَسادِ. فأنزلَ اللهُ كلمتَهُ التامَّةَ ونورَهُ الأبلجَ ليُضِيءَ سماءَ عقولِ النّاسِ، فاستغرقَ القُرآنُ قلوبَهُم بعدَ أَنْ خرقَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
تصدّق على المتعفف والقريب والمحروم

منذ 4 اسابيع
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :311

حسن الهاشمي
ليست الصدقة في منطق الإسلام مجرّد إعطاء مالٍ لمن طلبه، وإنما هي رحمةٌ تبحث عن موضع الحاجة، وكرامةٌ تحفظ للإنسان عزّته، وصلةٌ تمتد إلى القريب، ورعايةٌ للمحروم الذي قد تحول عفّته دون أن يمدّ يده إلى الناس، ولذلك وجّه القرآن الكريم النظر إلى فئة قد لا تُرى حاجتها بسهولة، فقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٧٣. فهؤلاء متعففون؛ لا يسألون الناس إلحافًا، أي لا يلحّون في السؤال، ولا يبالغون فيه، ولا يكررون الطلب بإلحاحٍ وضغطٍ على المسؤول، ولا يجعلون فقرهم حديثًا على الألسن، ولذلك قد يخفى احتياجهم على من لا يتفقد أحوال الناس، ومن هنا كانت الصدقة الأجمل تلك التي لا تنتظر أن يطرق المحتاج الباب، بل تبحث عن المحتاج قبل أن تضطره الحاجة إلى السؤال.
وإذا كان المتعفف جديرًا بالعناية، فإن القريب أولى بالبر والصلة؛ لأن الصدقة عليه تجمع بين فضيلتين: فضيلة الصدقة وفضيلة صلة الرحم، وفي ذلك بناءٌ للأسرة على التكافل، وإشعارٌ للقريب بأن حاجته لا تجعله غريبًا بين أهله.
أما المحروم فهو أوسع من صورة الفقير السائل؛ فقد يكون إنسانًا قليل ذات اليد، أو صاحب عيال، أو مبتلى بظرفٍ قاهر، أو متعففًا عن السؤال، لكنه محروم من ضروريات الحياة، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يمتلك بصيرةً اجتماعية تجعله يقرأ ما وراء المظاهر، فلا يحصر عطاؤه بمن يرفع صوته بالشكوى، بل يتفقد الصامتين الذين أرهقهم العوز وأعزّتهم النفس عن السؤال.
والصدقة على المتعفف أرفع أثرًا في حفظ الكرامة الإنسانية؛ فهي عطاءٌ يصل إلى صاحبه من غير أن يجرحه بسؤال، ولا يحمّله منّة، ولا يشعره بأنه موضع شفقة، وهنا تتحول الصدقة من مجرد نقل مالٍ من يدٍ إلى أخرى إلى ممارسةٍ راقية لحفظ كرامة الإنسان.
ولعلّ أجمل ما في هذا اللون من الإنفاق أن يكون صاحبه كمن يزرع الخير في مواضعه الخفية؛ فلا يبحث عن شهرة العطاء، بل عن حاجة العبد، ولا يسأل: من الذي طلب؟ وإنما يسأل: من الذي يحتاج؟ فربّ متعففٍ لا يعرف الناس فقره، وقريبٍ ينتظر التفاتةً تحفظ وشائج الرحم، ومحرومٍ أرهقته الحياة ولم يجد من يمدّ إليه يد العون.
وهكذا تصبح الصدقة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مشروعًا للتكافل وصيانة الكرامة وصلة الأرحام؛ صدقةٌ تصل إلى المتعفف قبل أن يسأل، وإلى القريب قبل أن يشعر بالغربة، وإلى المحروم قبل أن يشتد عليه الحرمان.
وتكريسا لهذه المعادلة القيمية في التكافل الاجتماعي قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لما سئل عن الصدقة على من يسأل على الأبواب، أو يمسك ذلك عنهم ويعطيه ذوي قرابته؟ قال: لا، بل يبعث بها إلى من بينه وبينه قرابة، فهو أعظم للأجر) ثواب الأعمال للصدوق: ١٧١ / 20. هذا النص يعبّر بدقة عن أولوية الصدقة على ذوي القربى، وفيه لفتة تربوية مهمة: أن الصدقة لا ينبغي أن تنفصل عن مسؤولية الإنسان تجاه أسرته ورحمه.
حين تتعدد أبواب المحتاجين، لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن بابٍ قريب منه، قد يكون صاحبه أشد حاجةً إلى العون، لكنه لا يمد يده بالسؤال؛ ولذلك جاءت تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) لتربط بين الصدقة وصلة الرحم، وتجعل إعانة القريب المحتاج لونًا مضاعف الأجر.
فالمؤمن حين يتصدق على قريبه المحتاج لا يؤدي مجرد واجب مالي أو مستحب شرعي، وإنما يرمم وشائج الأسرة، ويحفظ كرامة القريب، ويمنع الحاجة من أن تفكك عرى الرحم، وربما كان القريب المتعفف أحوج إلى هذه الالتفاتة من غيره؛ لأنه لا يسأل الناس، ولا يكشف حاجته، انتظارًا لمن يعرف حاله من غير سؤال.
وهنا تتجلى عظمة المنهج الإسلامي في صناعة مجتمعٍ متكافل؛ فالعطاء لا يكون عشوائيًا، وإنما يراعي الأقرب فالأقرب، والأشد حاجةً فالأشد حاجةً، حتى لا يكون في المجتمع إنسانٌ غريب عن محيطه العائلي، ولا قريبٌ يبيت محتاجًا بينما تُرسل الصدقات إلى من هو أبعد منه.
فالصدقة على ذي القربى صدقةٌ وصلة، والعطاء هنا لا يسدّ خلةً مادية فحسب، بل يبعث رسالةً إنسانية عميقة: لست وحدك، وأهلك أولى بك، وحاجتك لا تنتقص من كرامتك، ومن هنا كان الإنفاق على القريب المحتاج من أجمل صور الرحمة، لأنه يجمع بين إغاثة المحتاج، وصيانة الكرامة، وتقوية الأسرة، وتعظيم الأجر.
أما المحروم ليس بالضرورة هو من لا يملك شيئًا أو من يسأل الناس، بل قد يكون إنسانًا يعمل ويتحرك ويبيع ويشتري، ويبذل جهده، ولكن لا يحصل من سعيه على الكفاية والرزق الذي يستحقه بحسب ظاهره، لذا فان الإمام الصادق (عليه السلام): فسّر قوله تعالى: ("للسائل والمحروم": المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع) الكافي للكليني: ٣ / ٥٠٠ / ١٢. المحارف هو الرجل إذا منع الرزق أو ضُيّق عليه فيه، أو كان قليل الحظ من الكسب، ومن معانيه في الاستعمال العربي: المحروم من الرزق، المكدود الذي لا يبارك له في كسبه، أو لا تأتيه ثمرة سعيه وكدّه كما ينبغي.
المحروم في هذا المعنى أوسع من صورة الفقير الذي يمد يده؛ فقد يكون المحروم متعففًا، عاملاً، صاحب حرفة أو تجارة، لكن أبواب الرزق لا تفتح له بما يسد حاجته، والحال ان بعض المحرومين لا يُعرفون من السؤال، وإنما يُعرفون من آثار العسر على حياتهم، فربّ إنسانٍ يكدّ بيده، ويعمل صباحًا ومساءً، ولكن دخله لا يكفيه، أو تتعثر تجارته، أو يمرض، أو تتكرر خسارته؛ فهذا قد يدخل في معنى المحروم المحارف.
والخلاصة ان ليس كل محرومٍ سائلاً، فبين الناس محرومون يمشون في الأسواق بأيديهم العاملة ووجوههم المتعففة، يبذلون الكدّ ويطلبون الرزق، غير أن ثمرة السعي لا تبلغ بهم حدّ الكفاية، هؤلاء هم الذين ينبغي أن تبحث الصدقة عنهم، لا أن تنتظر وقوفهم على الأبواب.

اعضاء معجبون بهذا

قد يكون الفراق قرارنا ياجورجيو!!
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
في طفولتنا بكينا مع " جورجيو" في الفلم الكارتوني" نيلز" وكم كرهنا قسوة القائد "أكسا" الذي تخلی عن ربيبه، وتنازل عن أبوته تجاه " جورجيو" وكيف حلّق بعيدا مع سربه من دون الاكتراث بوجع "جورجيو" ومن دون الالتفات أو الإصغاء الی نداءاته المتكررة ولهفته! فلم تحركه صرخاته بكلمة: أبي أبي أبي أكسا... وقد اعترض"... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ اسبوعين
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...