من مصاديق التفسير الباطني تسبيح ذرات باطن الجبال لداود عليه السلام. جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل "إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ" (ص 18) (معه) من الممكن أن تكون متعلّقة بقوله (يسبّحن) ووفقاً لهذا فإنّ إقتداء الجبال بداود في التسبيح يوضّح نفس ما جاء في الآية (10) من سورة سبأ "يا جبال أوبي معه" (سبأ 10) ويمكن أن تكون (معه) متعلّقة بـ (سخّرنا) وفي هذه الحالة فإنّ مفهوم العبارة يكون (إنّا سخّرنا له الجبال) وإستخدام كلمة (معه) بدلا من (له) إنّما تمّ لتوضيح إشتراكهما في التسبيح. كذلك سخّرنا له مجاميع الطيور كي تسبّح الله معه (والطير محشورة). فكلّ الطيور والجبال مسخّرة لداود ومطيعة لأوامره، وتسبّح معه الباريء عزّوجلّ، وتعود إليه، (كلّ له أوّاب). الضمير (له) يمكن أن يعود على داود، وطبقاً لهذا فإنّ مفهوم الجملة ينطبق مع ما ذكرناه أعلاه، وهناك إحتمال وارد أيضاً وهو أنّ ضمير (له) يعود إلى ذات الله الطاهرة، ويعني أنّ كلّ ذرّات العالم تعود إليه ومطيعة لأوامره. هناك سؤال يطرح، وهو: كيف تردّد الطيور والجبال صوت التسبيح مع داود؟ إختلف المفسّرون في الإجابة على هذا السؤال، وذكروا عدّة تفاسير وإحتمالات له، منها: 1 ـ قال البعض: إنّ صوت داود الجذّاب كان يتردّد صداه عندما تصطدم موجاته الصوتية بالجبال فيجذب الطيور إليه (وبالطبع فإنّ هذه لا تعدّ فضيلة كي يتطرّق إليها القرآن المجيد وبشيء من العظمة). 2 ـ وإحتمل البعض الآخر أنّ تسبيحها كان توأماً مع صوت ظاهري، مرافقاً لنوع من الإدراك والشعور الذي هو في باطن ذرّات العالم، وطبقاً لهذا الإحتمال، فإنّ كلّ موجودات العالم تتمتّع بنوع من العقل والشعور، وحينما تسمع صوت مناجاة هذا النّبي الكبير تردّد معه المناجاة، ليمتزج تسبيحها مع تسبيح داود عليه السلام. 3 ـ واحتملوا أيضاً أنّ هذا التسبيح هو التسبيح التكويني الذي ينطق به لسان حال كلّ مخلوق، ونظام خلقهم يقول: إنّ الله خال من العيوب والنقص، وإنّه مقدّس ومنزّه وعالم وقادر، ويمتلك كافّة صفات الكمال. ولكن هذا المعنى لا يختّص بداود حتّى يعدّ من مناقبه، ولهذا فإنّ التّفسير الثاني يعدّ أنسب، وما ذكر فيه غير مستبعد قياساً بقدرة الله. فالمناجاة موجودة داخل جميع مخلوقات الكون، وترانيمها تتردّد على الدوام في بواطنها، وقد أظهرها الله سبحانه وتعالى لداود عليه السلام، كما في الحصاة التي كانت تسبّح الله وهي في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
عن مركز الأبحاث العقائدية أما مسألة التفسير الباطني فهو ثابت عند الجميع للقرآن الكريم، حيث روى الهيثمي في (مجمع الزوائد 7 / 125) عن عبد الله بن مسعود ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انزل القرآن الكريم على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ونهى أن يستلقي الرجل (أحسبه قال في المسجد) ويضع إحدى رجليه على الأخرى. ثم قال الهيثمي: رواه البزار أبو يعلى في الكبير وفي رواية عنده: (لكل حرف منها بطن وظهر)، والطبراني في الأوسط باختصار آخره ورجال أحدهما ثقات وأخرجه ابن حبان في صحيحه (1/ 276). ورواه أبو يعلى في مسنده (9/ 81) والطبراني في (الكبير 10/106)، عنه عن النبي صلى الله عليه وآله بلفظ: (وإن القرآن نزل على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حدٍ مطلعٌ). وهذا الباطن القرآني لا ينافي الظاهر أبداً ومذهب الشيعة معروف ظاهر لكل أحد وهو مذهب ظاهري لا باطني بالاتفاق. فالباطن القرآني علم عميق فهمه وتحصيل مصاديقه وإدراك أفراده وانطباق مفاهيمه على تلك المصاديق التي لا تظهر غالباً لكل أحد إلا من آتاه الله علماً وفهماً ودقة. وهذا الباطن أيضاً لا يلغي الظاهر من القرآن،ولذلك أنعقد الإجماع على حجية ظواهر القرآن الكريم مع القول بوجود التفسير الباطن لبعض آيات الكتاب العزيز. فقد روى الكليني (ره) في (الكافي الشريف 2/ 599) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (وهو الفصل ليس بالهزل وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق له نجوم وعلى نجومه نجوم) وروى أيضاً في (الكافي 1/ 374): (إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك ائمة الجور، وجميع ما أحلَّ الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق). وذكر البغوي من أئمة السنة في تفسيره (3/ 15) عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: (ثلاثة تحت العرش يوم القيامة القرآن يحاج العباد له ظهر وبطن والأمانة والرحم تنادي ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله). ووافق ما قلناه وما رويناه عن الكافي العلامة الزركشي في (البرهان في علوم القرآن 2- 154) حيث قال عن القرآن الكريم: (ولكل وصف ظاهر وباطن وحدٌ ومطلعٌ فالظاهر التلاوة والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام والمطلع الإشراق من الوعد والوعيد فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة وظهر له حال المعاينة وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن). ثم قال الزركشي: وقد قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجهاً، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن، وقال ابن سبع في (شفاء الصدور): هذا الذي قاله أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر، وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي من فهمها أكثر وقال آخر: القرآن يحوي سبعة وسبعين الف علم ومائتي علم، إذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك أربعة، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل "إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ" (ص 18) ومثله قوله تعالى في الآية 10 من سورة سبأ: "يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ" (سبأ 10) والآية 79 من سورة الأنبياء: "وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ" (الأنبياء 79) انظر ج 5 ص 292.







د. ضياء احمد حسين
منذ 9 ساعات
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN