كرنفالُ الحزنِ بين السماءِ والأرضِ (15)
بقلم: أحمد السراي
على شاطئ الفاجعةِ...
بعضُ المصائبِ تمرُّ على الإنسانِ فتُثقلُ قلبَهُ، وبعضها تمرُّ عبرَ الأجيالِ فتثقلُ أعمارَ الأُممِ، غيرَ أنَّ كربلاء كانَتْ من ذلكَ الصنفِ الذي لا يقفُ عندَ حدودِ الحادثةِ، بل يمتدُّ كجرحٍ سماوي في خاصرةِ الزمنِ، كلّما ظنَّ الناسُ أنَّ السنين أوشكت أن تسكتَ أنينَهُ، عادَ أكثرَ توهجاً في الضمائرِ، وأشدَّ حضوراً في الوجدانِ…
وفي قلبِ تلك الملحمةِ التي ازدحمَتْ بالمآذنِ المذبوحةِ والنجومِ المتساقطةِ، وقفَتْ زينب (عليها السلام)، لا كامرأةٍ فدَتْ أهلها، بل كقلبٍ احتشدَتْ فيه أوجاعُ الرسالاتِ، وكروحٍ أُودِعَتْ سرَّ الصبرِ يومَ عجزَتِ الجبالُ عن حملِهِ، كانَتْ ترى الشهادةَ وهي تزهرُ في أجسادِ أحبّتها كما تزهرُ الورودُ على حوافِّ الربيعِ، وترى السيوفَ وهي تحاولُ أن تطفئ نوراً خُلقَ من نورِ السماءِ، كانت ترى الأرضَ تضيقُ بالشهداءِ، فيما تتّسعُ لهم أبوابُ الخلودِ…
هنالكَ لم يكنِ الدمُ مجرّدَ دمٍ يسيلُ، بل كانَ آياتٍ حمراءَ تُكتبُ على صفحةِ الأبدِ، ولم تكنِ الأجسادُ المضرجةُ بالجراحِ أجساداً فحسب، بل كانَتْ منائرَ تهدي الأجيالَ إلى الطريقِ حين تتكاثفُ ظلماتُ الضلالِ…
ما القلبُ الذي يستطيعُ أن يحتملَ مشهدَ الحسين (عليه السلام) وهو يقفُ وحيداً في آخر الدُّنيا، وقد افترشَتْهُ الخيولُ بحذوتها، وتكاثرَتْ عليه الرماحُ كأنَّها أحقادُ الأممِ التي سلفَتْ كلها، وأيُّ روحٍ تبقى متماسكةً وهي ترى أبناءَ النبوةِ وقد افترشوا الرمضاءَ، فيما السماءُ من فوقهم تذرفُ نجومها حزناً، والأرضُ من تحتهم تتشرّبُ دماءً ستظلُّ أقدسَ من أن يجفَّ عبيرها؟
كانت زينب (سلام الله عليها) تمشي بين تلك الأجسادِ الطاهرةِ كما يمشي القلبُ بين أضلعِهِ المكسورةِ.
كلُّ جسدٍ هناك كان قطعةً من روحها، وكلُّ شهيدٍ كانَ نافذةً من نوافذِ عمرها أُغلقَتْ دفعةً واحدةً…
لكنها، رغم ذلك، لم تنحنِ أمامَ العاصفةِ، لأنَّ الله تعالى كانَ يُعِدُّ لها دوراً آخر؛ دورَ الشاهدِ الذي لا يموتُ، والصوتِ الذي سيحملُ كربلاء من حدودِ المكانِ إلى اتساعِ الزمنِ...
ثم جاءَ المساءُ…
ذلك المساءُ الذي لم يكن غروباً لشمسِ يومٍ واحدٍ، بل بدا وكأنَّ شمسَ العالمِ كله قد انطفأتْ فوقَ رمالِ الطفِّ، خيّمَ الصمتُ على الأجسادِ المضرجةِ، غير أنَّ ذلك الصمتَ كانَ أبلغَ من ضجيجِ الجيوشِ، لأنّ الشهداءَ كانوا قد أتـمُّوا رسالتهم، وتركوا للدمِ أن يتكلّمَ...
وحين امتدَّتْ يدُ السبي نحوَ حرمِ الرسالةِ، لم تكن زينب أسيرةً كما أرادَ الطغاةَ، بل كانَتْ سيدةَ النصرِ الخفي، حملَتْ على كتفيها بقايا الخيامِ المحترقةِ، وآهاتِ الأطفالِ اليتامى، وأحزانِ الثكالى، ثم مضَتْ تخترقُ ليلَ الظلمِ بثباتٍ لو قُسِّمَ على الأزمنةِ لكفاها، كانت تعلمُ أنَّ السيوفَ تستطيعُ أن تقتلَ الأجسادَ، لكنَّها تعجزُ عن قتلِ المعاني، ولذلك وقفَتْ في وجه الطغيانِ وقفةَ الجبالِ الراسخةِ، تحوّلُ الدموعَ إلى وعي، والمصيبةَ إلى رسالةٍ، والدماءَ إلى مشاعلَ لا تنطفئ...
ومنذُ ذلك اليومِ، لم تعُدْ كربلاء أرضاً تضمُّ شهداءها وحسب، بل أصبحَتْ سماءً تظلّلُ الأحرارَ في كلِّ عصرٍ، ولم تعد مصارعُ الهاشميينَ قبوراً صامتةً، بل غدَتْ قناديلَ معلقةً في دروبِ الإنسانيّةِ، تُعلّمها أنَّ العقيدةَ إذا امتزجَتْ بالفداءِ صنعَتِ الخلودَ، وأنّ الدمَ إذا سُفِكَ دفاعاً عن الحقِّ تحوّلَ إلى نورٍ لا تقدرُ القرونُ على حجبِهِ…
سلامٌ على تلك الأرواحِ التي ارتقَتْ من رمضاءِ الطفِّ إلى سعةِ الخلودِ، وسلامٌ على زينب، تلك التي وقفَتْ عندَ آخر حدودِ الألمِ، فلم تسقطْ، بل رفعَتْ من بين الركامِ رايةً ما زالَتْ تخفقُ في ضميرِ الإنسانيّةِ، لتخبرَ العالمَ أنَّ كربلاء لم تكن نهايةَ الشهداءِ، بل كانَتْ بدايةَ الحياةِ في مدرسةِ التضحيةِ واليقينِ.







محمد عبد السلام
منذ يومين
الفقرُ الثّقافيّ
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
التعطش للفرح
EN