كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (7)
بقلم: أحمد السراي
هوّن علي ما نزلَ بي… أنّهُ بعينِ الله تعالى...
ما بينَ الأرضِ والسماءِ لحظاتٌ تعجزُ اللغةُ عن احتوائها، وتضيقُ الحروفُ عن حملِ أوجاعها، وتبقى الأرواحُ واقفةً على أعتابها مبهوتةً أمامَ عظمةِ ما جرى فيها، ومن بينِ تلك اللحظاتِ جميعاً، تقفُ كربلاء وحيدةً كجبلٍ من الفواجعِ، يعلو فوقَ قممِ المصائبِ كلها، حتى لكأنَّ الحزنَ يومها استنفدَ ما في الوجودِ من معانيه، ثم انسكبَ دفعةً واحدةً على قلبِ الحسين (عليه السلام)...
حيثُ كَانَتِ الشمسُ تلفحُ الرمالَ المخضبةَ بالدمِ، وكانَتِ الرياحُ تمرُّ على الطفوفِ حاملةً أنينَ اليتامى، وآهاتِ الثكالى، وصدى الأرواحِ التي ارتقَتْ إلى بارئها مخضبةً بالحبِّ الإلهي، كانَ الإمامُ الحسين (عليه السلام) واقفاً بينَ ركامِ المصائبِ، وقد توالَتْ عليه الرزايا كما تتوالى أمواجُ البحرِ الهائجِ على سفينةٍ وحيدةٍ في ليلٍ دامسٍ بلا شاطئ…
فقدَ الأحبّةَ، وودّعَ الأنصارَ، وشيّعَ أبناءَهُ وإخوته وأهلَ بيتِهِ، واحداً بعدَ آخرَ حتى إذا ظنَّ الوجعُ أنَّهُ بلغَ منتهاه، أقبلَتِ الفاجعةُ التي لم تعرفِ الإنسانيّةُ لها نظيراً، فاجعةُ الرضيعِ، ذلك الغصنُ الطري الذي لم يكتملْ اخضرارُهُ بعدُ، وذلك الفجرُ الصغيرُ الذي لم يكد يبصرُ نورَ الحياةِ،
وذلكَ القلبُ الغضُّ الذي لم يعرفْ من الدُّنيا سوى دفءَ صدرِ أُمّهِ، وأمانَ ذراعي أبيه وهما يحتويانِهِ… اشتدَّ به الظمأ حتى ذبلَتْ شفتاه الصغيرتان، وجفَّ اللبنُ في صدرِ أُمّهِ من وطأةِ الحصارِ والعطشِ، فحملَهُ الحسين (عليه السلام) بين يديه، لا لأنَّ الرضيعَ كانَ يحتاجُ الماءَ وحدَهُ، بل كانَ يحتاجُ أن يجعلَ للزمانِ شاهداً على مرِّ العصورِ والأيام...
كانَتِ الإنسانيّةُ تحتاجُ إلى حجةٍ، أن ترى إلى أي دركٍ يمكنُ أن تنحدرَ القلوبُ حينَ تفارقُ الله (تعالى)، فرفعَ الطفلَ نحوَ القومِ، ورفعَ معَهُ آخر ما تبقّى من أعذارهم، لكنَّ السهامَ كانَتْ أسرعَ من الرحمةِ، والقسوةَ أعلى صوتاً من الفطرةِ، فانطلقَتْ يدُ الغدرِ الملطخةُ بالدماءِ لتخترقَ عنقَ الطفولةِ، ولتذبحَ البراءةِ وهي ما تزالُ في مهدها، لأنَّهم يدركونَ أنَّ صغيرَ آل محمد ككبيرهم…
في تلك اللحظةِ لم يُذبحْ طفلٌ فحسب، بل ذُبحَتِ الرحمةُ،
وذُبحَ الضميرُ، وذُبحَتِ الإنسانيّةُ وهي تنظرُ إلى نفسها في مرآةِ كربلاء، ليُكتبَ على جبينهم أكثر الصفحاتِ سواداً، مصابٌ تتصدّعُ له الأرواحُ… أيُّ قلبٍ ذاك الذي يحتملُ رؤيةَ وليدِهِ يرفرفُ بين يديه كالطائرِ الجريحِ وقد غادرَتْهُ الحياة؟
إنَّها صورةٌ لو عُرِضَت على الجبالِ لارتجفَتْ من هولها، ولو مرَّ طيفها على البحارِ لأغرقها البكاءُ، وسطَ هذا الطوفانِ الهائلِ من الألمِ، لم تتزلزل قمةُ اليقينِ في قلبِ سيدِ الشهداء، ولم ينكسرْ جناحُ الرضا في روحِهِ، ولم تصدرْ منه سوى كلمةٌ اختصرَتْ مقاماتِ العارفينَ جميعاً... هوَّن ما نزل بي… إنهُ بعين الله تعالى…
يا لها من كلمة!
كأنَّها نبعُ نورٍ تفجّرَ من قلبِ الفاجعةِ، وكأنَّها رايةُ رِضىً ارتفعَتْ فوقَ ركامِ الألمِ، وكأنَّها شهادةُ عبدٍ رأى رأفةِ الله في البلاءِ، فغابَ عن رؤيةِ البلاءِ نفسِهِ...
لقد ابتُلي نبي الله إبراهيم الخليل (عليه السلام) برؤيا الذبحِ، فامتثلَ قلبُ الأبوةِ طاعةً وتسليماً، ثم جاءتِ الرحمةُ الإلهيةُ ففدَتِ الذبيحَ، أما مولانا الإمام الحسين (عليه السلام) فلم يكن أمامَ رؤيا تُرى في المنامِ، بل أمامَ حقيقةٍ تنزفُ بين يديه، وأمامَ نحرٍ صغيرٍ رُمي بسهمِ الغدرِ والحقدِ، وسالَتْ منه دماءُ البراءةِ، وأمامَ رضيعٍ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ في حِجرِ أبيه، ومع ذلك بقيَ واقفاً على قمةِ الرضا، شامخاً كشموخِ النبوةِ، مطمئناً كطمأنينةِ الأنبياءِ...
ثم ملأ كفّيه المباركتين من الدمِ الطاهرِ، ذلك الدمِ الذي لم يعرفْ من الدنيا ذنباً، ورفعَهُ نحو السماءِ، فكأنَّ الأرضَ لم تعُد تتّسعُ لعظمةِ المصابِ، وكأنَّ الدمَ عادَ إلى موطنِهِ الأول، وكأنَّ الحسينَ يقدّمُ قرباناً من نورٍ إلى ربِّ السماءِ...
فيا له من مشهدٍ يمثّلُ الطفولةَ المذبوحةَ، والأبَ المفجوعَ برضيعِهِ، والكونُ واجمٌ أمامَ ذلك، لكنَّ العبدَ ما زالَ شاكراً، وما زالَ راضياً، وما زالَ يرى خلفَ الجراحِ وجهَ الحكمةِ الإلهيّةِ، ومن هنا خلّدَتْ تلك اللحظة، لا لأنَّها كَانَتْ أشدَّ لحظاتِ الألمِ فحسب، بل لأنَّها كَانَتْ أسمى لحظاتِ التسليمِ، ففيها تعلّمَتِ الإنسانيةُ أنَّ الرضا ليس أن تبتسمَ حينَ تأتيكَ النعمةُ فحسبُ، بل أن يبقى قلبُكَ متعلقاً بالله (تعالى) حينَ تتهاوى الدُّنيا كلها من حولكَ؛ لأنَّ كلَّ ما يصيبُكَ هو بعينِ الله عز وجل.







د.فاضل حسن شريف
منذ 7 ساعات
العنف والرأي الجمعي
العيد في زمن كورونا
٦ × ٦ = ٣٢
EN