سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء الرابع والتسعون: القياس في عالم النسبي: أدواتنا ليست كما نظن
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
04/02/2026
النسبية الخاصة هي، في جوهرها، مسلّمة تتعلق ببنية الزمكان ذاته. غير أنّ هندسة الزمكان، بخلاف الأجسام المادية، لا تُدرك مباشرة بالحواس، ولا يمكن «رؤيتها» أو لمسها على نحو مباشر. ولهذا السبب، لا تكتسب هذه المسلّمة معناها الفيزيائي إلا عندما تُربط بتنبؤات قابلة للرصد والاختبار. فالهندسة وحدها لا تكفي؛ لا بدّ من قوانين فيزيائية تُترجم هذه البنية المجردة إلى سلوك فعلي للأشياء في العالم .
وبصورة مماثلة، فإن الفرضية القائلة بأن الفضاء الذي نعيش فيه إقليدي ليست ذات معنى في ذاتها، ما لم تكن أدوات القياس — كالمسطرة والفرجار — قادرة على كشف البنية الحقيقية لذلك الفضاء. فالمسطرة ليست مجرد أداة عملية، بل هي في الحقيقة كاشف هندسي: إنها تُعرّف لنا ما نعنيه بالخط المستقيم، ومن خلالها تُصبح الهندسة الإقليدية مرتبطة بالواقع الفيزيائي.
تصبح طبيعة فضاء-زمن مينكوفسكي أوضح حين نُصرّح بهذا التشبيه ونأخذه على محمل الجد. ففي الهندسة الإقليدية، تتمثل الوظيفة الجوهرية للمسطرة في تحديد البنية التفرعية للفضاء، أي في تمييز الخطوط المستقيمة عن غيرها. وفي النسبية الخاصة، يؤدي كل من قانون الضوء ومبدأ العطالة النسبي دورًا مماثلًا، ولكن ليس لكل الخطوط، بل لفئات محددة من الخطوط المستقيمة في فضاء-زمن مينكوفسكي.
ففي الفراغ، وبعيدًا عن أي تأثيرات خارجية، يسلك شعاع الضوء مسارًا مستقيمًا من النوع الشبيه بالضوء، أي مسارًا يقع على سطح مخروط الضوء. وبالمثل، إذا عُزل جسم ذو كتلة عن جميع القوى الخارجية، فإن مساره في الزمكان يكون خطًا مستقيمًا من النوع الشبيه بالزمن، أي مسارًا يقع داخل مخروط الضوء. وبهذا المعنى، فإن قوانيننا الفيزيائية لا تصف الحركة فحسب، بل تكشف — بشكل غير مباشر — عن البنية الهندسية العميقة للزمكان.
ومن خلال هذه القوانين، يصبح جزء كبير من البنية التفرعية لفضاء-زمن مينكوفسكي مرئيًا وقابلًا للتحديد التجريبي. ومع ذلك، نلاحظ أننا لم نضع أي مسلّمات فيزيائية تُميز الخطوط الشبيهة بالفراغ، أي تلك الخطوط التي تقع خارج مخاريط الضوء للأحداث. وهذه الخطوط تختلف جذريًا، من حيث طبيعتها الفيزيائية، عن الخطوط الشبيهة بالضوء أو الشبيهة بالزمن. وبما أنها — وفق مبدأ حدود مخروط الضوء — لا تصلح لأن تكون مسارات لكيانات فيزيائية، فلا غرابة في أن تبقى غير مميزة في التجربة.
وهذا الوضع له نظير مباشر في فضاء-زمن غاليلي، حيث تختلف الخطوط الواقعة داخل شريحة تزامنية واحدة اختلافًا جوهريًا عن المسارات العطالية العابرة للزمن، دون أن يكون لكل خط داخل الشريحة معنى فيزيائي خاص. غير أنّ النسبية الخاصة، بخلاف ما قد يُظن، لا تحتاج إلى إضافة مسلّمات جديدة لتعريف الخطوط الشبيهة بالفراغ. فسلوك أشعة الضوء، والأجسام ذات الكتلة، وكذلك الساعات الدقيقة، كافٍ وحده لتحديد البنية الكاملة للفضاء-الزمن.
وإذا أردنا أن نبحث عن ما يعادل «الفرجار» في هندسة مينكوفسكي، فإننا نجده في نظام فيزيائي قادر على تحديد مجموعة من الأحداث تقع جميعها على نفس «البعد الزمكاني» من حدث مركزي واحد. ويمكن تحقيق ذلك إذا قبلنا بفرضية الساعة.
تخيّل أننا نملك عددًا كبيرًا من الساعات المتطابقة والمثالية، جميعها مهيّأة بحيث تبدأ العمل من حدث مركزي واحد. في تلك اللحظة، تُطلق هذه الساعات في جميع الاتجاهات الممكنة، وبجميع السرعات الابتدائية المسموح بها فيزيائيًا، ثم تُترك تتحرك بحرية في مسارات عطالية. ووفقًا لفرضية الساعة، ستُطلق كل ساعة إنذارها عندما تقيس فاصلًا زمكانيًا مقداره دقيقة واحدة على طول مسارها الخاص.
السؤال الجوهري الآن هو: ما هو الشكل الهندسي لمجموعة الأحداث التي تنطلق فيها هذه الإنذارات؟
إذا اعتبرنا الحدث المركزي أصل أحد أنظمة إحداثيات لورنتز، واخترنا وحدات القياس بحيث يُقاس الفاصل الزمني بالدقائق، فإن الشرط يصبح بسيطًا: الحدث يُعدّ حدث إنذار إذا كان يقع داخل مخروط الضوء المستقبلي للأصل، وعلى فاصل زمكاني مقداره دقيقة واحدة. وعند تمثيل هذه الأحداث في مخطط فضاء-زمن إقليدي، تظهر على هيئة قطع زائد دوراني.
وتكمن إحدى صعوبات تفسير هذا الشكل في أن نقاط هذا القطع الزائد قد تبدو — في الرسم الإقليدي — متباعدة إلى مسافات لا نهائية عن النقطة المرجعية. ومع ذلك، فإن جميع هذه النقاط، بحسب تعريف الفاصل الزمني في النسبية، تقع على نفس «المسافة الزمكانية» من الأصل. وتُظهر الهندسة الجوهرية لفضاء-زمن مينكوفسكي أن أطوال جميع الخطوط المستقيمة التي تصل الأصل بهذا القطع الزائد متساوية، حتى لو اختلفت أطوالها الظاهرة في الرسم.
وهذا يقودنا إلى حقيقة أساسية وعميقة:
إن «الطول الزمني» لأي مسار يبدأ من شريحة تزامن واحدة وينتهي في الشريحة التالية يكون ثابتًا، حتى وإن اختلفت المسارات نفسها اختلافًا كبيرًا في التمثيل الإقليدي.
والفرق الجوهري بين البنية الزمنية في زمكان غاليلي وزمكان مينكوفسكي يظهر هنا بوضوح. ففي زمكان غاليلي، يعتمد الزمن المنقضي فقط على شريحتي التزامن التي يبدأ منها المسار وينتهي فيها، بينما تبقى التفاصيل الداخلية للمسار غير ذات صلة. أما في زمكان مينكوفسكي، وكما كشفت مفارقة التوأمين، فإن هذه التفاصيل تصبح حاسمة: فزوج من الساعات الدقيقة قد يبدأ معًا وينتهي معًا، ومع ذلك لا يلزم أن يُظهر الزمن نفسه بين الحدثين.
وهنا تتجلّى النسبية الخاصة لا كنظرية «غرائبية»، بل كنظرية هندسية صارمة، تعيد تعريف الزمن ذاته بوصفه خاصية للمسار، لا مجرد خلفية كونية مشتركة.
يتبع في الجزء 95...







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
أم البنين .. صانعة الوفاء وراعية الفضيلة
أبنائي الطلبة
جيل التسعينات الشعري وصراع الأشكال
EN