توالى العثورُ على دفنات الكلاب الجماعية، وكان للبداري أيضًا السبق في ذلك؛ ففي القطاع E من جبَّانة البداري، عُثر في المقبرة رقم 206 على واحدةٍ من أروع دفنات الكلاب المكتشفة، التي جاءت بطريقةِ دفن مخالفة عما سبق ذكره؛ إذ كانت الدفنة أشبهَ بمقبرة جماعية لمجموعة من الكلاب، جاءت عظامها مجمَّعة معًا، ومكدَّسة أسفل ثلاث كتل حجرية كبيرة، وبدراستها تبيَّن أنها لحوالي خمسة عشر كلبًا على مساحة حوالي أربعة أقدام، ولعل اللافت للنظر أيضًا في هذه الدفنة، هي المرحلة العمرية التي بلغتها تلك الكلاب عند دفنها، فبعضها ثبَت أنه لكلابٍ بالغة، والبعض الآخر كان لكلاب متوسطة العمر، ومنها ما كان لكلاب صغيرة — جرو — أي إنَّ عمر الكلاب المدفونة هنا، بدأ من مرحلة الكلاب البالغة، وانتهى بمرحلة الجرو الصغير. كانت الجماجم سليمة، ولم يكن هناك اتجاه محدَّد في الدفن، ولم يتم بعدُ التوصُّل إلى معرفة وسيلة قتل هذه الحيوانات، وإن كان «برنتون» يرجِّح أنَّ هذه الدفنة إنما هي لكلبةٍ وصغارها، ماتت عُقب ولادتها، وخاصة أنه لم يلاحظ وجودَ آثار القتل العمد فيها (1).
ولا ندري، أهل كانت تلك الدفنة مقصودةً لغرض معيَّن، وما هو هذا الغرض، وما هي الطريقة التي قُتلت بها هذه الكلاب؟ هذا … وتؤكِّد «باومجرتل» على أنَّ الدفنة الأولى لم يكن فيها متاع جنزي، وأنَّه عُثر في الهمامية على دفنةٍ لكلاب مشابهة اكتشفتها «كاتون طومسون» (2)، إلا أنَّ الدفنة الأولى التي عُثر عليها في جبَّانة البداري تميَّزت عن الثانية بوجود الكتل الحجرية الثلاث التي عُثر عليها أعلى الدفنة، والتي لم يُعثر على مثلها بالموقع، ومن المحتمَل أنها كانت موضوعةً عن قصد في هذا المكان لتشير إلى الدفنة الحيوانية الموجودة أسفلها. «كشاهد قبر مثل شواهد القبور الآدمية».
وفي الجبَّانة T بنقادة، عُثر على دفنة اشتملت على عظام حوالي عشرين كلبًا، كانت الدفنة الجماعية عبارةً عن حفرة جاءت على غِرار دفنة البداري والهمامية، كُدِّست فيها عظام الكلاب بطريقة مقصودة، وتُعد هذه الدفنة الجماعية من الحالات الاستثنائية بالجبَّانة، ويرى د. عبد العزيز صالح أنَّ المصري القديم كان يهتم بدفنِ ما كان يقدِّمه كقربان بأسماء أربابه في مناسبات خاصة، وقد يشهد بذلك مثل هذه الحفرة المكدَّسة بالعظام الحيوانية (3).
وفي هيراكونبوليس، عُثر على العديد من دفنات الكلاب؛ ففي المقبرة رقم 2 عُثر على بقايا عظمية لثلاثة من الكلاب البالغة. وفي المقبرة رقم 5 عُثر على دفنة جماعية لِما لا يقلُّ عن سبعة من الكلاب، جاءت عظامها مختلطة معًا، وعُثر بالدفنة على أجزاءٍ من الكتان، مما يشير إلى وجود نوع من التكفين، وكانت هذه الدفنة الحيوانية الجماعية بمثابة دفنة فرعية ملحقة بمقبرة آدمية مزدوجة لشخصٍ بالغ وصبي صغير، وتُؤرَّخ الدفنة بعصرِ ما قبل الأسرات (4).
هذا، وقد عُثر في المقبرة رقم 14 بالجبَّانة HK6 على دفنةٍ أخرى تُؤرَّخ بنقادة IC-II، كانت قد اشتملت على حوالي سبعةٍ من الكلاب، جاءت بقاياها العظمية مختلطة معًا، ولقد عُثر في الموقع 68 بالجبَّانة على دفنات لكلاب تُؤرَّخ بعصرِ ما قبل الأسرات أيضًا (5)، وكانت السِّمة الغالبة على دفنات الكلاب بجبَّانة هيراكونبوليس هي السِّمةَ الجماعية.
وفي واحدةٍ من الدفنات الفرعية الملحقة بالمصطبة رقم 3035 والتي تُؤرَّخ بعصر الملك أوديمو، عُثر على دفنة جماعية، اشتملت على سبعةٍ من الكلاب، كُفِّن كلٌّ منها بالقماش ووُضِع في تابوت خاص به، وزُوِّدت الدفنة ببعض المتاع الجنائزي، والغريب أنه كان قد عُثر معهم على «دفنة آدمية» لرجلٍ مكفَّن بالكتان، ولم يكن موضوعًا في تابوت (6)، كما هو الحال مع دفنات الكلاب، ولربما كانت الكلاب في هذه الدفنة تشير إلى اعتبارها حرَّاسًا كثيرين للمصطبة أو المقبرة. وفي النوبة، عُثر في المقبرة رقم 20 من الجبَّانة 17أ بخوربهان على دفنةٍ اشتملت على ثلاثة من الكلاب، لم يكن لها اتجاهٌ محدَّد في الدفن، بينما في المقبرة رقم 26 عُثر على خمسة من الكلاب تنوَّعت أيضًا اتجاهات دفنها (7).
وفي الجبَّانة 7أ عُثر في المقبرة رقم 252 على دفنة، اشتملت على ثلاثة من الكلاب، كانوا قد رقدوا على جانبهم الأيسر، بينما اتجهوا إلى الشمال الشرقي، بلا تكفين، وبلا متاع جنائزي (8)، الشكل رقم 1، ذلك بخلاف المقبرة رقم 17 بجبَّانة النوبة أيضًا التي عُثر فيها على دفنةٍ جماعية لمجموعة من الكلاب، شكل 2.

شكل 1: المقبرة رقم 7:255 بجبَّانة النوبة، وهي تبيِّن دفنةً مزدوجة لكلب وماعز. Smith, G. E, and Jones, F., W., The Archeological Survey of Nubia, vol. I, pl.7.

شكل2: المقبرة رقم 252: دفنة لثلاثة من الكلاب. Ibid., pl.7.
................................
(1) Brunton, G., and Caton-Thompson, 1928, pp. 76-77.
(2) Baumgartel, E. J., The culture of prehistoric Egypt, vol. 2, Oxford, 1959, p. 127.
(3) عبد العزيز صالح، «حضارة مصر القديمة وآثارها»، ج1، القاهرة، 1992م، ص120.
(4) Adams, B., “Elite graves at Hierakonpolis,” in: Spencer, J. (edit.), p. 33; Linseele, V., “Excavating Hierakonpolis: Weird animals” , internet article in: A. M, 2003, pp. 1–3; Adams, B., Something very special, in: N. N, vol. 10, 1998, pp. 3-4; Van Neer, W., and Linseele, V., and Friedman, R. F., 2004, p. 75.
(5) Adams, B., Op. Cit., pp. 3-4. Van Neer, W., and Linseele, V., and Friedman, R. F., 2004, pp. 73, 88–90, 107.
(6) Emery, W. B., and Saad, Z. Y., Excavations at, saqqara, Cairo, 1938, p. 78; Report: Saqqarah-Nord, Fouilles du Service des antiquities, in: C. D. E., vol. 14, 1939, pp. 70–80.
(7) Reisner, G. A., Op. Cit., p. 138.
(8) Reisner, G. A., Op. Cit., pp. 39-40 .