جاءت الغالبية العظمى من دفنات المَعْز وقد اتَّجهت نحو الشرق؛ سواء في وجهة الحيوان، أو موقع تلك الدفنات بالجبَّانات؛ إذ كثيرًا ما التزمت بالجزء الشرقي من الجبَّانة، وذلك كما في المقبرتين 5424، و5423 بجبَّانة البداري، حيث جاءتا بالقطاع الشرقي من الجبَّانة، واتجهت المَعْز في هاتين الدفنتين نحو الشرق (1). ويمكن اعتبارُ المَعْز في هذا الإطار تجسيدًا لرمزٍ مقدَّس، قد يكون له علاقة بالشمس؛ فقد نشأت فيما قبل التاريخ تلك الفكرة التي ربطت ما بين حيوانات الشمس الرافعة والحامية لها والمدافعة عنها والمهاجمة لأعدائها الذين صُوِّروا في هيئة حيواناتٍ أضعفَ (2)، وربما كانت الماعز في هذا الشأن إحدى هذه الحيوانات.
وكما في المقبرة رقم 1582 بجبَّانة نجع الدير، التي عُثر فيها على دفنة لواحدة من المَعْز، أسفل الجانب الشرقي من التابوت الذي اشتمل على الدفنة الآدمية (3). وكذلك دفنات المَعْز التي جاءت راقدةً في صفٍّ جنبًا لجنب في اتجاه النهاية الشرقية من جبَّانة المعادي (4).
وكما جاء أيضًا في جبَّانة وادي دجلة، حيث عُثر على ثلاث من دفنات المَعْز، عند النهاية الشمالية الشرقية من الجبَّانة، وفي المقبرة رقم 116 من الجبَّانة نجد الالتزام بالاتجاه الشرقي في الدفن، وكذلك الأمر في المقبرة رقم 344 التي عُثر إلى الشرق منها على دفنةٍ لواحدة من صِغار المَعْز.
هذا بخلاف ما جاء إلى الشمال من الدفنة رقم 391 حيث عُثر على ماعز راقدة على جانبها الأيمن، واتجه رأسها إلى الشرق (5).
وتأكيدًا على ارتباط المَعْز — على ما يبدو — بالشمس، باعتبارها إحدى أهم القوى المقدَّسة التي كانت لها مكانتها في الفكر المصري القديم،54 جاءت هليوبوليس بجبَّانتها التي تُؤرَّخ بعصرِ ما قبل الأسرات، شاهدةً على ذلك؛ إذ عُثر فيها على حوالي ستٍّ من دفنات المَعْز، جاءت جميعًا وقد التزمت بعادات الدفن الآدمية؛ إذ جاءت هياكل المَعْز بمحور «شمالي – جنوبي»، كان الرأس غالبًا يتجه نحو الجنوب، بينما ترقد على جانبها الأيمن في وضعٍ يشبه وضْعَ النوم، وكانت الوجوه قد اتجهت نحو الشرق، ربما نحو شروق الشمس، وما خرجت عن تلك الأوضاع سوى دفنة واحدة، جاءت فيها الماعز راقدةً على بطنها (6).
ونادرًا ما اتَّجهت الحيوانات نحو الشمال الغربي كما في الدفنة رقم 232 بالجبَّانة رقم 7 بالشلال، أو نحو الغرب كما في المقبرة رقم 255 بنفس الجبَّانة، التي عُثر فيها على دفنة حيوانية مزدوجة لكلب وواحدة من المَعْز، كانت الماعز فيها قد اتجهت برأسها نحو الغرب (7).
وهكذا كان الالتزام بالاتجاه الشرقي في الدَّفن هو السائد، ولربما كان لذلك مغزاه الديني المرتبط بالعقيدة الشمسية، وربما هو تقليد لعادات الدفن الآدمية، لا سيما وأنَّ الماعز كانت أيضًا قد كُفِّنت، وزُوِّدت بالمتاع الجنائزي.
..............................................
(1) Behrens, H., Op. Cit., p. 75; Flores, D. V., Op. Cit., p. 25 .
(2) أحمد سعيد، «نشأة الأشكال الخرافية ما بين مصر وبلاد الشرق الأدنى»، ص7-8.
(3) Reisner, G. A., Op. Cit., p. 16 .
(4) Flores, D. V., Op. Cit., 69 .
(5) Rizkana, I., Maadi IV, Op. Cit., p. 60 .
(6) Rice, M., Egypt’s making, the origins of ancient Egypt 5000-2000 B.C., London, 1990, pp. 48, 32 .
وعن العبادة الشمسية وعلاقتها بحيوانات الشمس انظر: Saied, A., Op. Cit., pp. 34–36.
(7) Debono, F., and Mortensen, B., Op. Cit., p. 76 .
(8) Flores, D. V., Op. Cit., pp. 42, 73; Behrens, H., Op. Cit., p. 77 .