ضرورة الانطلاق في التحليل من منطلق موضوعي تمام الموضوعية: وهو عند النحاة الأقدمين الانفصال والابتداء
فالذي نقصده هو البيان عما كان النحاة ينطلقون منه في تحليلهم وههنا أيضا كانوا يلجأون إلى مقياس الانفصال في حدود القوانين التي تخص عملية الوقف خاصة.
ففيما يخص الحرف الصوتي فإنه لا يمكن أن ينطق به وحده بل موصولا بحروف أخرى مثله. فقد سبق أن ذكرنا كلام سيبويه عن استحالة وجود الاسم المظهر على حرف واحد لأن المظهر قد ينفرد في النطق. فهذا الامتناع عن الانفراد في النطق سببه فيزيولوجي محض لأنه يخص إخراج الحرف (عمل الجهاز الصوتي). أما حصول الانفصال نفسه فلسبب آخر وهو يرجع إلى نظام اللغة وحده. أما الانقطاع عما يأتي بعد الكلمة فهو الوقف وله أحوال خاصة في العربية. وإثباتهم لما ينفصل إنما تم بالبحث عن أقل ما يمكن أن يفيد من الكلام أي البحث في كل مجموع من الحروف دال على معنى ومفيد لفائدة ولا ينفصل ما في داخله (1) مثل كتاب كإجابة من سأل: ما هذا؟ وكتاب في هذه الإجابة هو قبل كل شيء كلام مفيد ولاحظوا أن كتاب في مثل هذا يوجد بين سكوتين أي بين وقفتين. كما أن ما يحتوي عليه غير قابل للانفصال (2) وهو دليل على أنه أدنى وحدة دالة وبحيته في إجابة أخرى:
هذا كتاب يؤكد ذلك ويدل أيضا على أن في الإجابة اختصارا بحذف المبتدأ لأنه موجود في السؤال. وهو كلام مفيد على الرغم من وجوده على أقل ما يدل على معنى. كما يمكن أن يسأل: من خرج أمس فتكون الإجابة: زيد أو هو أو أنا. وتنوع الأسئلة تمكن الباحث من الحصول على أنواع كثيرة مما يكون كلاما ويتكون من قطعة واحدة. وبالنظر في إمكانية دخول كل واحد منها في موضع استطاعوا أن يعرفوا أن كتاب هو من قبيل ما سموه اسما مظهرا وأما هو فمن قبيل الاسم المضمر المنفصل في اصطلاحهم وكلاهما اسم مفرد كما مر بنا. فالاسم المفرد وهو هذا الذي جاء في الجواب مظهرا أو مضمرا يكتشفه النحاة العرب ويشتونه كأدنى عنصر من عناصر اللغة بهذه الطريقة الموضوعية التي لا تنطلق إلا من اللفظ ولا تخرج منه ولا يلجأ أصحابها إلى الافتراض في هذا المنطلق. وذلك بفضل اهتدائهم بدليل لفظي وخطابي في نفس الوقت وهو انفصال الواحدة. ويتحصل ذلك بطريقة لفظية محضة وهي الوقف فيبحثون قبل كل شيء وبالاعتماد على الاختبار بالوقف المسموع عن أقل ما يكون عليه الكلام المفيد كما رأينا. وهو ما جاء بين وقفتين ولا وقف يمكن أن يحصل بين أجزائه في نفس الوقت والوقفتان تمثلان الجانب الصوتي أما الانفصال والابتداء فهما الجانب الوضعي إلا أنهما يتحصلان بشيء واحد وهو اللفظ، وهذا هو النقطة التي يلتقي فيها اللفظ بالمعنى والإفادة وهي الوقفتان اللتان تحددان بداية الوحدة ونهايتها وتعذر الوقف في داخلها يتبين في مجيء القطعة المنفصلة على نفس المحتوى والهيئة في كل مسموع كما قلنا. فهذه نقطة اللقاء الميدانين مختلفين تماما الوضع والخطاب. وقد اكتشف ذلك النحاة العرب واعتمدوا عليه في تحليلاتهم. ولاحظوا أن هذا الأقل من الكلام هو كلمة مفردة (وتنفرد ككلام) وهي في جميع الأحوال ما سموه بالاسم المظهر أو الضمير المنفصل. فهذه الطريقة الصورية الموضوعية التي لا تنطلق من الافتراض ويكتفى بها المواصلة البحث بل يتجاوز بها كل افتراض باللجوء إلى الاختبار. ويكون ذلك ههنا بالبحث عن الموضوعية الحاصلة في واقع الخطاب لفظا ومعنى وإفادة وهي وجود الأدلة على أقل ما يكون عليه الكلام المفيد ويحصل ذلك كما قلنا - بين وقفتين كدليل على انفصالها.
فتعرف بهذا أن الكاف والهاء بحركتها في مثل بك وبه هما من الضمائر المتصلة بقيامهما مقام الاسم المفرد وجوبا مع الكاف واختيارا مع المظهر. كما تعرف أن ما جاء قبلها هو من حروف الحر لأنها تدخل على الاسم المظهر والمضمر المتصل وتحرهما.
وهما هنا من الكلام الحاصل بين الوقفتين مع إمكان انفصال ما في داخلها فالباء بحركتها يمكن أن تنفصل بالبدل وكذلك ما يتلوها وهذا دليل على أنهما كلمتان.
___________________
1- بدليل استمرار ظهوره في الكلام بدون انفصال ما في داخله. قال سيبويه عن الضمير المتصل أنه: لا يتكلم به مفردا (1/ 96) وأن المظهر ليس كعلامة المضمر المتصل لأنه ينفصل ويبتدأ (نفسه). يدل هذا على اهتمامهم بأقل ما يمكس أن يكون كلاما فكل ما ينفرد يمكن أن يكون كلاما وهو بالضرورة عنصر دال واحد.
2- وهو ما وجودوه في سماعهم.