نظرية الموضع العربية هي أوسع وأعمق من نظرية التاكميمية الأمريكية
1) موضع الوحدة لا يكون دائما موقعا في الكلام
على الرغم من كل هذا فإن للفظة موضع عند سيبويه مدلولا أخص وأدق بكثير من مدلول الموقع الأمريكي Slot لأنه لا ينطبق بالضرورة على موقع الوحدة في درج الكلام المادي المحسوس كما سيأتي فقد ينطبق عليه في أحوال خاصة ويكون للوحدة حينئذ موقع واحد مثل وجوب وقوع الفاعل بعد فعله في العربية ووقوع حروف الجر وأداة التعريف دائما قبل الاسم الذي تدخلان عليه وغير ذلك. ولا يجوز لها أبدا أن تتقدم عليها أو تتأخر عنها وذلك كحروف الشرط والاستفهام والتوكيد وغيرها وسنرى أن هذا الثبوت الدائم للموضع ليس مما يتحدد به نظام اللغة هو وحده لأنه ناتج عما يوجبه النظام في بعض مستويات اللغة مثل مستوى الكلم. فعلى الرغم من وجود مواضع ثابتة في درج الكلام كما رأينا فإن هذا لا يمنع من أن يكون الموضع غير الموقع المحسوس. فقد يتقدم المفعول على الفعل عامله في: زيدا ضربت فلا يتغير موضعه وسنوضح هذا فيما بعد. وقد يكون الموضع فارغا في درج الكلام مع وجوده في الاعتبار مثل:


أتيت بـــــ ....... كتاب
أتيت بــــ الــــ كتاب
وفي مستوى الكلم:

حضر قاض .... أن
رأيت قاضـ يـ ن
حضر القاضـ ي ...
فقاضي حروفه الأصلية هي (ق ض ي) ووزنه هو فاعل. فالياء تصاب خذف في الرفع والحر في التنكير وكذلك علامنا الرفع والجر. وكل واحد منهما مستقل عما يدخل فيه لأنه رتبة في سياق أو هو فضاء في داخل بنية. قد تدخل فيه عناصر وتخرج وهو باق في الاعتبار مع خلوه. لأنه موضع مكون للبنية. فالتقديم والتأخير والحذف في الجملة لا تأثير لهما في الموضع وكذلك الحذف البنوي في المفردة. أما بنية الكلام فتتجاوزهما لأنها تتناولهما معا. فأحدهما كأصل في الوضع وهو ههنا التأخير للمفعول به والآخر كتنوع للاستعمال بما يحصل فيه من الاتساع وهو تقديمه والبنية يصيبها الاتساع بالضرورة في تحصيل الكلام وهذا من أهم ما تتصف به البنية النحوية في نظر النحاة الأولين(1).
(2) التاكميم الأمريكي
وفي نفس هذا ويشبه الموضع إلى حد ما مفهوم التاكميم (Tagmem) في نظرية كبنيت بايك (K.Pike) وهو عنده الموقع أو المواقع التي تقع فيها الوحدات في درج الكلام (2) وفي نفس الوقت الفئة أو الجنس من الوحدات التي تدخل فيه فيه 3 (3). وهذا الارتباط ناتج عن قسمة المواقع تتبع كما قلنا وحصر كامل لكل ما يمكن أن يحيط بالوحدة ولم يكتف بايك بذلك بل أراد أن يتجاوزه بإضافته لهذا المفهوم مفهوم الوظيفة لا كما تصورها الوظيفيون بل بكيفية امتاز بها عنهم. ثم يرتكب بايك في الواقع نفس الغلط الذي سيقع فيه الوظيفيون بعده وهو الاقتصار المتعمد على النظر في الكلام كخطاب فقط وتعاهل البنى النحوية كبنى تميزها اللغة المعينة عن اللغات الأخرى وذلك لأنه بقى يهتم بالموقع وقسمة المواقع إلا أنه أضاف إلى ذلك وظيفة الوحدة في الموقع. ومع ذلك لاحظنا أنه لا يبالي بالفرق القائم بين ما يسمونه بالوظيفة النحوية والوظيفة الدلالية. فصحيح أن للفاعل أو المفعول به أو الحال وهي عندهم وظائف نحوية دلالة على معان إلا أنها وضعية فهي بالضرورة معان غير مختصة بشيء معين بل هي مبهمة (كما رأينا في كتابنا الخطاب والتخاطب). فالوظيفة النحوية لا يمكن أن تكون إلا وضعية وهي الحكم النحوي الإعرابي للكلمة المتمكنة ويستنتج هذا الحكم من موضعها. فالفاعل والمفعول به والمبتدأ والخبر والحال وغيرها هي صفات تخص الجانب اللفظي النحوي وهي ناتجة عن العلاقات القائمة بين الكلم كألفاظ دالة ومن ثم عن مواضعها إلا أن لكل حكم نحوي معنى يدل عليه في الوضع أي في أصل الكلام كما يقول سيبويه. وهو شديد الإمام له لأنه مدلول وضعي أي واسع في أصل وضعه لا في الاستعمال. فالفاعل لا يدل بالضرورة على فاعل الحدث بل هو صاحب الحدث الأول سواء كان هو المحدث له أو المنفعل به أو غير ذلك والإبهام هو هنا في اتحاد موضع المفعول به المرفوع (نائب الفاعل) وموضع الفاعل الأصلي غير مبني للمجهول. وهذا الفرق يجهله أكثر اللغويين الغربيين إلى عهد قريب جدا (4). ثم يصير المدلول الوضعي في الاستعمال أي في الخطاب أحد هذه المعاني الخاصة ويصير بذلك مختصا غير مبهم إلا إذا قصده المتكلم وبذلك يكون خطابيا غير وضعى أي تابعا لاستعمال المتكلم ولأغراضه فهذه الوظيفة الدلالية الجديدة هي وظيفة اللفظ عامة والبنية خاصة في الخطاب لا في الوضع فقد تحولت الوظيفة الدلالية الوضعية في الاستعمال إلى وظيفة دلالية خطابية وذلك لاندماجها في مجموعة من الدلائل اللفظية وغير اللفظية وخضوعها لغرض المتكلم. فليست ناتجة بالتالي عن قسمة المواقع إذ لا علاقة لها بها. فالموقع يرفع اللبس ولكنه لا يدل هو على المعاني الخطابية بل الذي يدل عليها هو ما يدخل على الكلام من القرائن وهو شيء زائد عليه إذ الموقع هو كيان لفظي تحوي والقرائن قد تكون غير لفظية وهي غير شوية أصلا بل استدلالية لأنها معان فكيف يمكن أن يرتبط بهذه الوظيفة وهما من ميدانين مختلفين: الوضعي النحوي والخطابي الاستعمالي.
هذا فيما يخص مذهب بايك أما مفهوم الموضع فعلى الرغم من كل هذا كان يمكن لبايك ولأصحاب مذهب استغراق المواقع أن يعزلوا موقع الوحدة عن مدرج الكلام وبالتالي أن يجردوه من محسوسيته وذلك بالنظر لا إلى الجنس من الوحدات المنتمية إلى الموقع المحسوس بل إلى الموضع كموضع تركيبي بكل معنى الكلمة كما تصوره النحاة العرب. وهذا لم يفعله البنيويون ولم يفكروا فيه. ويمكن الآن أن نتساءل كيف صار الموقع موضعا مجردا عند النحاة العرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أما المواضع الثابتة وجوبا فهي خاصة بمستوى الكلم ولمنع اللبس ورفع الغموض في التراكيب مثل موضع الفاعل وجوب تأخيره عن فعله مثلا.
(2) انظر تأليفه: Language in Relation to a Unified Theory of the Structure of Human Behavior
(3) It is the correlation of a slot and the class of items which occur in that slot.
4- أي بين الوضعي المبهم وجوبا والخطابي الذي يمكن أن يكون مختصا.