إن القتال في الاشهر الحرم ممنوع وحرام وقد قتل المسلمون خطأ أو عمدا انسانا في الشهر الحرام وفي منطقة تقع خارج المسجد الحرام فأثار ذلك اعتراض المشركين واستنكارهم[1]، في حين أن ذنوب المشركين وممارساتهم الخبيثة هي أسوأ وأكبر من القتل في الشهر الحرام ومع ذلك لا يعرضون عليها ولا يستنكرونها وهذه الذنوب هي التالية:
1. سد سبيل الله ومنع الناس من سلوكها: (وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). ومعنى ذلك كل أنواع العبادة والتدين التي من أبرز مصاديقها الحج وقد كان المشركون يمنعون ذهاب الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم والمسلمين الى مكة لأداء المناسك بل لقد منعوا الرسول صلى الله عليه واله وسلم ومرافقيه في احدى المرات من مواصلة سفرهم وأجبروهم على العودة بعد أن قطعوا نصف الطريق.
2. الكفر العملي أو الاعتقادي بسبيل الله: (وَكُفْرٌ بِهِ).
والظاهر أن مرجع الضمير (به) يعود إلى (سبيل الله) لا إلى لفظ (الله)، فيكون المراد هو الكفر العملي لا الاعتقادي. ويؤيد هذا الرأي:
أولاً: أن الآية بصدد بيان ومقارنة أعمال المشركين البذيئة جداً مع حادثة القتل التي وقعت على يد عبد الله بن جحش لا مقارنة عقيدة المشركين واعتقاد المسلمين.
ثانياً: لو كان المقصود هو الكفر الاعتقادي، لانتفت الحاجة إلى الكلام والمقارنة؛ لأن الكفر بالله - الذي هو أهم الذنوب الكبيرة أسوأ بكثير من قتل شخص كافر في الشهر الحرام. ومع ذلك يبقى احتمال الكفر الاعتقادي غير منتف.
3. إن إغلاق بيت الله ومنع الآخرين من الوصول إليه: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وهذان أي الوصف والموصوف من باب عطف الخاص على العام، أي العطف على (سبيل الله)، وذلك لتأكيد أهميّة وعظمة المسجد الحرام، بمعنى أن المشركين كانوا يمنعون دخول المسلمين إلى مكة والمسجد الحرام.
وقد احتمل بعض المفسّرين أن يكون (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) عطفاً على ضمير (به)؛ لأنّ عدم احترام المسجد الحرام بمثابة الكفر به[2].
4. تهجير المسلمين وإبعادهم (إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ)؛ وذلك لأن المشركين كانوا قد أجبروا المسلمين - وهم أهل مكة والمسجد الحرام على الهجرة من هناك.
إن هذه الجرائم الأربع التي ارتكبها المشركون في حق الرسول والمسلمين هي عند الله أكبر من قتل بعض المشركين على يد بعض أصحاب الرسول في الشهر الحرام. وهكذا فلا يحق للمشركين أن ينتقدوا المسلمين على عمل قاموا به ظانين أن فيه الثواب.
تنبيه يقال حينا إن ما قام به أصحاب الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم هو ذنب كبير وإن ما قام به المشركون كان ذنبا أكبر.
وفي هذه الحالة تكون كلتا الجماعتين قد ارتكبا حراما.
ولكن قد يقال حينا آخر إن ما قام به أصحاب الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم وإن كان فاسدا في حد ذاته لكنه كان لأجل منع الفاسد.
وفي هذه الحالة لا يكون أصحاب الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد ارتكبوا ذنبا بناء على تزاحم الاهم والمهم إذ لو توقف منع الذنب الاكبر على ارتكاب الذنب الكبير فحينئذ لا مناص من تطبيق مسألة كسر وانكسار الملاك وقانون رفع اليد عن المهم لصالح الاهم.
كما صرح القرآن الكريم في موضع آخر بثلاثة ذنوب للمشركين: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ[3]). وهذه الاية أيضا تؤيد عطف (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) و(سَبِيلِ اللَّهِ).
ملاحظة: لما كانت هذه الاية ليست بصدد المقارنة فيمكن أن يكون المقصود من الكفر فيها هو الكفر الاعتقادي لا العملي خلافا للآية التي هي مورد البحث التي هي بصدد المقارنة مما يدعو الى ترجيح كون محورها هو الكفر العملي لا الاعتقادي وان كان احتمال الكفر الاعتقادي ليس منتفيا.
وقال في آية اخرى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ[4])، فربما كان المنع من التضحية مصداقا من مصاديق (الصد عن سبيل الله).
[1] مجمع البيان ج1-2 ص551
[2] مواهب الرحمن، ج 3، ص 272.